سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

المحاسبة عبر القانون.. العدالة الانتقالية بين ضغط الشارع ومتطلبات بناء الدولة

‫شارك على:‬
20

المتابع للمشهد السوري يرى تحولاً نوعياً في الوعي الجمعي تجاه ملف العدالة الانتقالية وسط حراك شعبي واسع يتمثل في وقفات احتجاجية واعتصامات، تحمل في جوهرها مطالب واضحة تتعلق بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات التي ارتُكبت خلال مرحلة النظام البائد، إلى جانب دعوات لمراجعة أوضاع أشخاص يُشتبه بتورطهم في انتهاكات أو ارتباطهم بأجهزة النظام القمعية.

وحسب هذا التوصيف، فإن ما تشهده مناطق عدة في البلاد لا يمكن قراءته فقط بوصفه حراكاً احتجاجياً، بل بوصفه تعبيراً عن “طلب اجتماعي مكثف للعدالة”، يتقاطع فيه البعد الحقوقي مع البعد النفسي المتراكم لعقود من الانتهاكات، وفق ما يذهب إليه باحثون في علم الاجتماع السياسي.

في المقابل، يلفت خبراء قانون إلى أن هذا الحراك يضع سؤالاً مركزياً أمام الدولة والمجتمع معاً: كيف يمكن إدارة العدالة في مرحلة انتقالية دقيقة دون أن تتحول إلى أداة تفجير اجتماعي أو مسار ثأري خارج الأطر المؤسسية؟ وهل يمكن التوفيق بين مطلب المحاسبة العاجلة وضمانات المحاكمة العادلة؟

في هذا السياق، تتقاطع قراءات قانونية وحقوقية عند معادلة تعتبر اليوم شبه إجماع تحليلي: لا للمحاسبة خارج القانون، ولا للثأر بديلاً عن العدالة، فوفق هذا المنظور، العدالة الانتقالية ليست انفعالاً اجتماعياً، بل بنية مؤسساتية معقدة تقوم على التدرج والإثبات وحماية حقوق الضحايا والمتهمين على حد سواء.

ويرى خبراء في القانون الدستوري أن جوهر الإشكالية يكمن في الانتقال من “عدالة الشارع” إلى “عدالة الدولة”، أي من ضغط اللحظة إلى إجراءات تستند إلى الأدلة، وتفصل بين المسؤولية الفردية والجماعية، ويؤكد هؤلاء أن الدول الخارجة من حروب و”نزاعات مسلحة” لا يمكنها بناء استقرارها على الاستجابة الفورية للمطالب، بل على ترسيخ القضاء كمرجعية وحيدة للحسم.

ومن هذا المنطلق، تُبرز مقاربات حقوقية أن الدولة، في هذا السياق، لا تنفي وجود الانتهاكات ولا تتجاهل المطالب الشعبية، بل تعمل – وفق ما تعكسه مؤشرات متعددة – على نقل الملف من الفضاء العام إلى المؤسسات القضائية المختصة، باعتباره ملفاً سيادياً لا يخضع للانفعال أو ردود الفعل، بل لمنطق القانون والأدلة.

ويشدد مختصون في العدالة الانتقالية على أن المحاسبة الفعلية لا تُقاس بسرعة الإجراءات، بل بقدرتها على تحقيق العدالة دون تعميم أو ظلم أو تسييس، مع التأكيد على مبدأ المسؤولية الفردية، بحيث يُحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن جرائم القتل أو التعذيب أو الانتهاكات الجسيمة، ضمن مسار قضائي واضح وشفاف.

وفي المقابل، يؤكد هؤلاء الحقوقيون أن الحديث عن عدم التساهل مع الجرائم الكبرى لا يتناقض مع رفض العقاب الجماعي أو الأحكام المسبقة، بل يعزز قاعدة قانونية أساسية مفادها: لا عفو عن الجرائم الجسيمة ولا إفلات من العقاب، لكن لا إدانة بلا دليل ولا محاكمة بلا ضمانات.

أما من زاوية اجتماعية، فيرى باحثون أن ملف الضحايا والمفقودين يمثل “النقطة الأكثر حساسية” في مسار العدالة الانتقالية، ليس فقط بوصفه ملفاً حقوقياً، بل باعتباره عنصراً حاسماً في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي، فوفق هذا التحليل، فإن كشف الحقيقة وجبر الضرر وإعادة الاعتبار للضحايا يشكل شرطاً أساسياً لأي مصالحة مجتمعية مستدامة.

وتستحضر العديد من الدراسات المقارنة تجارب دول خرجت من نزاعات داخلية حادة، مثل جنوب إفريقيا ورواندا وعدد من دول أميركا اللاتينية، حيث أظهرت تلك التجارب، حسب خبراء العدالة الانتقالية، أن مسار التعافي لم يتحقق عبر الانتقام، بل عبر مزيج من كشف الحقيقة والمساءلة القضائية وجبر الضرر، وفي هذه النماذج، لم يُنظر إلى العدالة بوصفها لحظة عقابية فقط، بل بوصفها عملية إعادة بناء للثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي السياق ذاته، يحذر محللون سياسيون من أن أي انزلاق نحو العدالة خارج الإطار المؤسسي قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الفوضى، مشيرين إلى أن الدول الخارجة من النزاعات غالباً ما تواجه تحدياً مزدوجاً: تفكيك إرث الانتهاكات، وفي الوقت ذاته منع انهيار النظام العام.

وعليه، وفق المحللين، أن إعادة بناء مؤسسات الدولة تفرض عملية تدقيق ومحاسبة قانونية دقيقة، تمنع عودة المتورطين في الانتهاكات إلى مواقع التأثير، ولكن دون السماح بتحول المسار إلى تصفيات أو إجراءات خارج القضاء، فالدولة، لا تُدار بردود الفعل، بل بمؤسسات قادرة على ضبط التوازن بين العدالة والاستقرار.

وبين هذا وذاك، تخلص قراءات قانونية واجتماعية إلى أن العدالة الانتقالية ليست مشروع انتقام، بل مشروع دولة، هدفه طي صفحة الماضي وتحقيق التعافي الوطني، مع الحفاظ على جوهر المعادلة: “نحاسب لنبني لا لننتقم”، وبالتالي فإن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر الانتقام، بل عبر عدالة مؤسسية تُنصف الضحايا وتعيد بناء الثقة، وتؤسس لدولة يكون فيها القانون هو الحكم والمرجع الوحيد.

الوطن – أسرة التحرير