المزيد

‫آخر الأخبار:‬

المخاطر الصامتة: التغلب على إرث بقايا الحرب المتفجرة في أذربيجان

‫شارك على:‬
20

الكاتب: ألنور شاه حسينوف السفير الأذريبجاني في دمشق

نادراً ما تنتهي الأعمال العدائية العسكرية عندما تسكت المدافع. وهنا تبدأ حرب غير مرئية تحصد أرواح المدنيين أو تصيبهم بإصابات بالغة أو تُلحق الأضرار بالبنى التحتية أو تؤجّل تنفيذ مشاريع الإعادة والتأهيل على حد سواء. وعلى خلفية مثل هذه الظروف، تبرز أهمية إزالة الألغام من أجل أغراض إنسانية.

إن جذور أزمة الألغام والمواد المتفجرة في أذربيجان تكمن في عدوان عسكري أرميني أدّى إلى احتلال إقليم قره باغ الجبلية والسبع المناطق المجاورة له. وخلال ما يقرب من ثلاثة عقود من الاحتلال على خطوط الاتصال السابقة، كان أكثر من 13٪ من أراضي أذربيجان محصّنة بشدة ومغطاة بالألغام بشكل كثيف. يُقدر أن ما بين مليون و1.5 مليون لغم أرضي تتراوح بين الذخائر المضادة للأفراد والذخائر المضادة للدبابات، تم زرعها في مناطق مثل أغدام، فوضولي، جبرائيل وكالباجار. وبالتالي، تحولت أذربيجان إلى أحد البلدان الأكثر تلوثاً بالألغام في نطاق عالمي. وتظل أراضي قره باغ وزانجازور الشرقية المحررة، ملوّثةً بالألغام والذخائر غير المتفجرة بدرجة كبيرة، حيث يشكّل هذا الأمر معوّقاً خطيراً أمام عملية إعادة البناء والتأهيل والنشاط الاقتصادي والتحركات الآمنة وعودة النازحين السابقين إلى أراضيهم الأم.

منذ نهاية الحرب الوطنية في عام 2020، سقط 437 مواطناً أذربيجانياً ضحايا لحوادث الألغام والذخائر المتفجرة، بمن فيهم مدنيون وعسكريون وكاشفو الألغام وصحفيون وعاملون في أعمال إعادة الإعمار، حيث فقد 73 فرداً حياتهم، وأُصيب 364 شخصاً بجروح خطيرة. إجمالاً، قد تضرر أكثر من 3500 مواطن من مواطنينا جرّاء حوادث الألغام منذ بداية العدوان الأرميني على أذربيجان، حيث يأتي من بينهم أطفال ونساء ومدنيون آخرون الذين تأثرت حياتهم بهذا الخطر الكامن بصورة مأساوية.

إن خرائط المناطق الملغومة التي قدمتها أرمينيا غير دقيقة وغير مكتملة، مما يزيد من مقياس هذا التحدي. ولم تقتصر زراعة الألغام والفخاخ على المواقع العسكرية السابقة فحسب، بل وامتدت لتشمل الطرق والمناطق السكنية والمقابر والأراضي الزراعية والغابات وضفاف الأنهار وأراضي مدنية أخرى. وعلى الرغم من ذلك، تلتزم أذربيجان التزاماً حاسماً بتذليل هذه التحديات، وضمان عودة آمنة وكريمة لمواطينيها إلى أراضيها الأم.

عملية إزالة الألغام لأغراض إنسانية، تُعد جزءً هاماً لا يتجزأ من برنامج يستهدف إعادة بناء الأراضي الأذربيجانية المحررة وإصلاحها. إعادة بناء المدن والقرى، إصلاح البنى التحتية، تطوير شبكات النقل والطاقة، إنعاش المرافق الريفية، وتشييد مناطق سكنية جديدة، تتزامن مع أنشطة إزالة الألغام.

تشهد الأراضي المحررة الأعمال الواسعة النطاق الرامية إلى إزالة الألغام، حيث تم لغاية اليوم تطهير ما يزيد على 298 ألف هكتار منها، والعثور على 260 ألفا و147 لغماً وذخيرة عسكرية غير متفجرة مع تعطيلها تباعاً. وتطبّق أذربيجان التقنيات المتقدمة، والمقاربات الابتكارية، وأنظمة التحكم الحديثة بهدف زيادة سرعة وسلامة وكفاءة عملية إزالة الألغام.

إن أنشطة إزالة الألغام في أذربيجان ترتبط بشكل واسع ومباشر بالأولويات الوطنية لها، حيث تسهّل أعمال الإعادة، والعودة الآمنة، وإنعاش المرافق الريفية، وتنمية البنى التحتية، وحماية البيئة، إعادة الدمج الاجتماعي، والإعادة الاقتصادية. كما تسهم في تنفيذ رؤية “أذربيجان 2030: الأولويات الوطنية حول النمو الاجتماعي والاقتصادي”، ولا سيما الأولويات التي يتضمنها برنامج “العودة الكبرى” إلى الأراضي المحررة.

وتشهد المدن والقرى التي دُمرت خلال سنوات الاحتلال إعادة البناء، إضافة إلى تشييد البنى التحتية الحديثة، والطرق، والأنفاق، والمطارات، ومنشآت الطاقة، والمدارس، والمشافي، التجمعات السكنية، وإصلاح الآثار الثقافية وذلك ضمن برنامج “العودة الكبرى”. اليوم كل امرئ يستطيع أن يرى نتائج هذه السياسة على أرض الواقع، والتي وفرت إلى الأن عودة زهاء 40 ألف مشرّد سابق إلى بيوتهم في الأراضي المحررة. إجمالاً، عدد السكان الذين يعيشون اليوم في قره باغ وزانجازور الشرقية يتجاوز 90 ألف نسمة.

تضع أذربيجان النماذج المتقدمة لإعادة بناء وإصلاح وإدارة ما بعد الصراع التي توحّد عمليات إزالة الألغام والتخطيط العمراني وتطوير البنى التحتية وإصلاح البيئة والحلول الرقمية والخدمات الاجتماعية والحوكمة وعودة المشرّدين السابقين ضمن إطار تنسيقي موحد، وتطبقها على أرض الواقع. كما تتحول الأراضي التي دُمرت وهُجّر أهلها إبان الاحتلال، في غضون فترة قصيرة إلى أماكن تصلح للعيش والعمل والدراسة، وتقدّم فرص عمل.

لقد أظهرت النتائج المكتسبة لغاية اليوم كفاءة مقاربة متكاملة تطبقها أذربيجان، بغض النظر عن ديمومة العديد من التحديات. وتستعد أذربيجان لمشاطرة تجربتها هذه مع دول ومناطق تواجه مثل هذه التداعيات الناجمة عن صراعات، لأننا نؤمن بأن النموذج الأذربيجاني في عمليات إزالة الألغام، إعادة البناء والعودة، قد تثير اهتماماً عملياً لدى عدد من الشركاء عبر العالم.

كما تقدمت أذربيجان دولياً بمبادرات هامة في مسار تشجيع الأنشطة الخاصة بإزالة الألغام. وقد تصدرت أهمية الاستيطان الأمن والمستدام وإزالة الألغام النقاشات الدولية على هامش الجلسة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي التي استضافتها باكو. في الوقت ذاته، أصبحت المؤتمرات الدولية الخاصة بإزالة الألغام التي تحتضن أذربيجان أعمالها في إطار تعاونها الوثيق مع منظمة الأمم المتحدة، تلعب دور المنصة الهامة لمعالجة التحديات الإنسانية والأمنية والتنموية الأكثر خطورةً في عهدنا.

إلى جانب ذلك، لقد أعلن بلدنا إزالة الألغام لأغراض إنسانية هدفاً ثامن عشر من بين أهداف التنمية المستدامة الوطنية، ويواصل عمله نحو الإقرار بهذه القضية على أنها أولوية عالمية كونها قضية تتطلب التضامن الدولي أكثر قوةً. اليوم تقوم أذربيجان بتحمل العبء الرئيس سواءً من أعمال إزالة الألغام لأغراض إنسانية أو الإعادة والإصلاح على حساب مواردها الوطنية. غير أن الأهمية الإنسانية لمقياس التلوث وإلحاح أعمال الإعادة والعودة الآمنة، تتطلب دعماً عملياً أوسع من المجتمع الدولي، بالإضافة إلى تعزيز المعايير الدولية لإزالة الألغام وتشجيع الابتكارات ودعم إصلاح المدن الآمنة وبناء المجتمعات الآمنة والمستدامة والدائمة.