أعادت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، خلال مقابلته مع شبكة CNN، حول صعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية وحجم التحديات التي تواجه إعادة بناء الاقتصاد السوري، تسليط الضوء على حقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن التعافي لا يمكن أن يعتمد على تدفق رؤوس الأموال الخارجية وحدها، بل يحتاج قبل كل شيء إلى بناء قاعدة إنتاجية محلية قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتحقيق قيمة مضافة مستدامة.
لا شك أن الاستثمارات الأجنبية تمثل فرصة مهمة للاقتصاد السوري، لما يمكن أن توفره من تمويل وخبرات وتكنولوجيا وأسواق جديدة، لكن انتظارها وحده قد يعني إضاعة مزيد من الوقت، خصوصاً أن المستثمر يبحث عن بيئة مستقرة وبنية تحتية جاهزة وتكاليف إنتاج تنافسية، وهي متطلبات تحتاج إلى وقت وجهد لتحقيقها.
من هنا تبرز ضرورة إعطاء الإنتاج المحلي أولوية أكبر خلال المرحلة الحالية، باعتباره نقطة الانطلاق الأكثر واقعية نحو التعافي خاصة ان سوريا تمتلك مقومات صناعية وزراعية مهمة، وخبرات بشرية تراكمت على مدى عقود، إلى جانب قاعدة متنوعة من المنشآت في الصناعات الغذائية والنسيجية والدوائية والهندسية والكيميائية، فضلاً عن إمكانات زراعية يمكن أن تشكل مصدراً للمواد الأولية، وهذه المزايا تتيح فرصة حقيقية لزيادة الإنتاج، وتقليص الاعتماد على المستوردات، وتوفير فرص عمل، وتحريك قطاعات النقل والتجارة والخدمات، فضلاً عن تحسين الميزان التجاري وتخفيف الضغط على القطع الأجنبي.
لكن امتلاك المقومات لا يعني بالضرورة القدرة على استثمارها، فالصناعة والإنتاج المحلي يواجهان تحديات كبيرة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية والنقل، وصعوبة الحصول على التمويل، وتقادم الآلات وخطوط الإنتاج، وضعف القدرة الشرائية في السوق المحلية، فضلاً عن المنافسة مع المنتجات المستوردة التي قد تستفيد من انخفاض تكاليف إنتاجها أو تمتعها بقدرات أكبر على المنافسة.
ومعالجة هذه الصعوبات لا تكون بإغلاق الأسواق أو فرض حماية مطلقة على المنتج المحلي، وإنما ببناء بيئة إنتاجية عادلة وتنافسية، تبدأ بتأمين الكهرباء بأسعار مناسبة واستقرار أكبر، وتوفير قروض صناعية ميسرة لتمويل التشغيل والتحديث، وتسهيل استيراد الآلات والمواد الأولية، وتبسيط الإجراءات الإدارية والجمركية، ومنح الإعفاءات الضريبية اللازمة، إلى جانب تطوير التدريب المهني ورفع جودة المنتجات،و تطبيق إجراءات مكافحة الإغراق عند ثبوت ممارسات الإغراق وتوافر شروط التدخل، بما يحمي الصناعة من المنافسة غير العادلة دون تحميل المستهلك أعباء إضافية.
كما أن دعم الإنتاج لا ينبغي أن يقتصر على المصانع الكبيرة، بل يجب أن يشمل المنشآت الصغيرة والمتوسطة والحرفية، وتقديم الدعم اللازم لنجاحها من إعفاءات ضريبية وتسهيلات مصرفية مناسبة والدعم التسويقي اللازم، ويربط الزراعة بالصناعة من خلال تشجيع التصنيع الزراعي وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المحلية، مع فتح أسواق تصديرية جديدة أمام السلع السورية.
إن جذب الاستثمارات الخارجية يظل هدفاً مهماً، لكن بناء اقتصاد قادر على استقطابها يبدأ من الداخل، من مصنع يستعيد إنتاجه، ومزارع يجد سوقاً لمحصوله، ومنتج محلي يستطيع منافسة المستورد فكلما ازدادت قدرة الاقتصاد على الإنتاج، تحسنت فرص الاستثمار فيه، وأصبحت عودة رؤوس الأموال نتيجة لبيئة اقتصادية أكثر جاهزية، لا مجرد رهان على وعود مستقبلية.
ختاماً.. الاقتصاد الوطني لا ينهض بما يستورده، بل بما يستطيع إنتاجه وتسويقه وتطويره.






