بقلم: عبد السلام حاج بكري
سنتان على انتصار الثورة، اعتاد فيها السوريون، مشهد الغارات الإسرائيلية والتوغلات المتكررة في الأراضي السورية، وما يرافقها من انتهاكات للسيادة الوطنية، في مقابل ردود رسمية تقف عند حدود بيانات التنديد والاستنكار، يمكن تفهّم هذا النهج، انطلاقاً من إدراك السوريين لحجم الدمار الذي خلّفته سنوات الحرب التي شنّها النظام البائد على الشعب السوري، واستنزاف مقدرات البلد في قتله وتدمير بنية الدولة، وحاجة البلاد إلى التقاط أنفاسها، وإعادة بناء مؤسساتها، وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة لا تملك الدولة، في هذه المرحلة، مقومات خوضها، لكن ذلك لا يمنح السلطة هامشاً مفتوحاً لتأجيل استحقاقات السيادة والأمن الوطني إلى أجل غير معلوم، فالدول حتى تلك الخارجة من الحروب، تحتاج إلى سياسة واضحة تحمي هيبتها، وتضع حداً لمحاولات فرض الوقائع عليها بالقوة.
واليوم، القصف الأردني لمنطقة اللجاة في درعا جاء من شقيق ظهر إيجابياً مع الحكم الجديد في سوريا، لهذا فاجأ كثيرين لأنه ببساطة لم تكن له حاجة إذ كان يمكن للحكومة الأردنية أن تطلب من دمشق أن تتقصى حقيقة المجموعة المستهدفة، أو ربما القبض عليها إن ثبت لديها مساعدتها في تنفيذ تفجير الكنيسة في الكرك، وهذا ما يمنع سقوط مدنيين أولا وإحراج الحكومة السورية ثانياً، ولعل المفاجأة أصابت الحكومة السورية ذاتها فأتى بيانها السريع معاتباً أكثر من أي شيء آخر.
يجد السوريون أنفسهم اليوم أمام سؤال جديد لا يمكن تجاوزه ببيان مقتضب أو موقف دبلوماسي عابر معاتباً كان أم شديد اللهجة، إلى متى ستظل الأراضي السورية ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية الخارجية، إن خطورة المسألة لا تكمن فقط في هوية الجهة التي تنفذ القصف، ولا في طبيعة الأهداف المعلنة أو المبررات المقدمة، بل في المبدأ الذي ينبغي أن يحكم علاقة سوريا بجيرانها، إذ لا تقوم علاقات إقليمية متوازنة إذا بقيت السيادة السورية قابلة للانتهاك كلما رأت دولة أخرى أن لديها ما يبرر تدخلها داخل الأراضي السورية.
إن معالجة التهديدات العابرة للحدود، سواء ارتبطت بالتهريب “المخدرات أو السلاح” أم بالجماعات المسلحة أو بأي نشاط غير قانوني، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل من التنسيق الرسمي واحترام سيادة الدولة السورية، ويجب على الحكومة السورية إيجاد الطريقة المناسبة لمنع إسرائيل والأردن وغيرها من استهداف الأراضي السورية، وقد يكون توظيف النجاح الديبلوماسي للخارجية السورية وتوطيد العلاقات مع أهم دول العالم والإقليم في إرسال الإشارات المناسبة للدول المجاورة لسوريا خير وسيلة لوقف هذه الاستهدافات التي لم يعد السوري يقبل بتمريرها عبر بيان رسمي.
إن الحكومة السورية مطالبة اليوم بأكثر من إصدار البيانات، هي مطالبة بتوضيح ما جرى للرأي العام، وتحديد طبيعة الحادثة، ومخاطبة الجانب الأردني عبر القنوات الرسمية، والمطالبة بضمانات واضحة تحول دون تكرار مثل هذه العمليات، والمطالبة بدفع تعويضات عن الخسائر البشرية والمادية، فمن حق السوريين أن يعرفوا ما الإجراءات التي ستُتخذ لمنع تكرار الانتهاكات.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى حرب ضد الأردن أو حتى إسرائيل، أو المطالبة برد عسكري متسرع قد يجر البلاد إلى مواجهة لا تحتملها، لكن ما بين الحرب والبيانات التقليدية مساحة واسعة من الأدوات السياسية والأمنية والدبلوماسية، تبدأ بالاحتجاج الرسمي الصريح، ولا تنتهي بتدويل القضية، وطلب ضمانات مكتوبة، وإعادة تقييم الترتيبات الأمنية الحدودية، واتخاذ إجراءات دفاعية متناسبة ومشروعة عند الضرورة.
على الدولة السورية اليوم، وهي ترى مدنيين أبرياء من مواطنيها يسقطون خطأ أو قصداً الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، ومن الاكتفاء بشرح أسباب الصمت إلى وضع خطة عملية لتجاوزه، وإن كان لا مصلحة لها اليوم بالتصعيد، ولا تستطيع منع الاعتداءات فوراً، فهي تستطيع على الأقل، أن ترفع كلفتها السياسية والدبلوماسية، وأن توثقها، وأن تحشد الدعم لموقفها، وأن تبني تدريجياً قدرات تمنع الآخرين من التعامل مع أراضيها باعتبارها مجالاً مباحاً.
التذرع الدائم بأن البلاد خارجة توّاً من حرب طويلة، وبضعف الإمكانات، وبحاجة البلاد إلى سنوات طويلة من التعافي، لم يعد الجواب المناسب على كل سؤال يتعلق بالسيادة. نعم، سوريا خرجت من حرب مدمرة، وتحتاج إلى إعادة بناء جيشها واقتصادها ومؤسساتها، لكن إعادة البناء ليست مساراً منفصلاً عن حماية السيادة، بل إن حماية السيادة أحد الدوافع الأساسية لإعادة البناء.
سوريا ليست دولة صغيرة أو هامشية في محيطها، هي تاريخ، وهي حضارة عريقة، وعلى حدودها وفي جغرافيتها تتقاطع مصالح إقليمية ودولية، وثقل تاريخي وسياسي، واستعادة المكانة تبدأ ببناء مؤسسات فعالة، وجيش محترف، ودبلوماسية تعرف كيف تدير المصالح والتوازنات، وتفرض احترام الحقوق السورية من دون مغامرات غير محسوبة، وإن كانت قطعت عديد الخطوات في هذا الاتجاه إلا أنها تحتاج الكثير منها بأقصى سرعة حتى يرتفع الجدار السوري فلا يقفز فوقه قافز.
قد يكون من المناسب أن تربط الحكومة أمنها بمحيطها، وتجعله جزءاً من منظومة إقليمية، أقلّه في المرحلة الانتقالية، وهي عندما تستطيع ذلك يعرف جيرانها أن أمنهم لا ينفصل عن أمنها، وأن التعاون معها هو الطريق الأكثر استقراراً، وأن انتهاك سيادتها لن يكون حلاً مناسباً أو مجانياً.
بالأمس كانت إسرائيل، وهي مستمرة باستهداف السيادة السورية، أضيف عليها اليوم الجار والشقيق، ولا يمكن لأي تبرير أن يجعل السوريين راضين عن قتله أبرياء مدنيين منهم، وهنا من المتوقع ألا تتكرر مثل هذه العملية من الشقيق الأردني، لكن الخشية أن يتطاول آخرون، دولاً أو ميليشات على سوريا، وإذا ما استمر اقتصار رد الدولة السورية على البيانات، فهذا سيجعلها مضطرة للاستجابة للأصوات التي تدعو لتبني مشروع المقاومة الشعبية لا سيما مع التطاول الإسرائيلي.






