دمشق- محمد العويد
يعيد اليمين الإسرائيلي المتطرف إنتاج مشهد إقليمي لا يريده حلفاؤه ولا خصومه، في محاولة تبدو أقرب إلى استعراض سياسي وانتخابي، في توقيت شديد الحساسية.
غير أن ما يجري في الجنوب السوري يتجاوز حدود المناورات الانتخابية، ليكشف عن تناقض عميق بين مشروعين يتصارعان على رسم مستقبل المنطقة، أحدهما يسعى إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز سلطة الدول، والآخر يحاول إعادة إنتاج مناطق النفوذ الهشة والكيانات المسلحة العابرة لسلطة الدولة.
المفارقة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحرك، وفق ما توحي به سياساته في الجنوب السوري، بعكس الاتجاه الذي تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تكريسه إقليمياً؛ اتجاه الرئيس الأميركي، يقوم على تقليص بؤر الصراع، والحد من نفوذ المليشيات، وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية وفق معادلات سياسية وأمنية أكثر استقراراً.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، هل يسمح ترامب لنتنياهو بإعادة إنتاج المشهد الذي يسعى المشروع الأميركي إلى تجاوزه، وتعطيل تسوية إقليمية تتشكل ملامحها على قاعدة استعادة الدول لدورها وسيادتها؟
الوقائع والتطورات التي تصدرت المشهد السوري، خلال الفترة الأخيرة تكشف حجم التباين بين الرؤيتين. فنتنياهو، كما يبدو من طبيعة التحركات الإسرائيلية، يريد جنوباً سورياً هشاً، قابلاً للتطويع والتوظيف الأمني، وربما نموذجاً مشابهاً لتجربة جيش أنطوان لحد في جنوب لبنان، حين تحولت مجموعات محلية مسلحة إلى أداة ضمن منظومة النفوذ الإسرائيلي.
والمفارقة الأكثر إثارة أن أي مشروع انفصالي أو كيان مسلح في الجنوب سيظل، في جوانب أساسية من حياته اليومية، معتمداً على الدولة السورية في الخدمات والبنية التحتية والإمدادات الأساسية، وحتى بـ”الماء والطحين” فكيف يمكن الحديث عن كيان منفصل سياسياً وأمنياً، بينما ترتبط احتياجات سكانه بمؤسسات الدولة في دمشق؟
في المقابل، تتحرك واشنطن باتجاه مختلف، عنوانه إعادة إدماج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي، وتوسيع علاقاتها السياسية والاقتصادية، والاستفادة من استقرارها في بناء توازنات جديدة في الشرق الأوسط، وتأتي تصريحات المبعوث الأميركي توم براك وتحركاته الدبلوماسية تجاه دمشق لتعكس أهمية المسار السياسي في المقاربة الأميركية للملف السوري.
لكن بالعموم، الولايات المتحدة ليست اللاعب الوحيد في صياغة المشهد الإقليمي، مهما بلغت قوتها ونفوذها، فتركيا حاضرة بثقلها السياسي والعسكري، ولديها مصلحة استراتيجية في استقرار سوريا ووحدة أراضيها، باعتبار أن أي تفكك جديد قد يفتح الباب أمام تهديدات أمنية تتجاوز الحدود السورية.
كذلك يشكل الموقف الخليجي، ولا سيما الدور السعودي، ركناً مهماً في دعم الاستقرار وإعادة بناء العلاقات العربية مع دمشق، الأردن، حيث يرتبط مباشرة بأمن الجنوب السوري، فلا يمكن أن ينظر إلى نشوء تشكيلات مسلحة جديدة على حدوده باعتباره تطوراً منفصلاً عن أمنه الوطني.
وتتقاطع هذه المصالح بدرجات متفاوتة مع المواقف الأوروبية، خصوصاً لدى فرنسا وبريطانيا وألمانيا، التي تدرك أن تجدد الفوضى السورية قد يعيد إنتاج أزمات اللجوء والتطرف وعدم الاستقرار.
أما السوريون، الذين اختبروا خلال سنوات طويلة قسوة الحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية، فهم الأقدر على إدراك الكلفة الحقيقية لأي مغامرة عسكرية جديدة، ومن يعتقد أن فرض وقائع بالقوة في الجنوب سيكون مهمة سهلة، يتجاهل مجتمعاً دفع أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضه ومستقبله، ولم تعد لديه رفاهية الدخول في حروب عبثية إضافية.
في هذا السياق، عادت إلى التداول خلال الأسابيع الأخيرة معلومات وتحذيرات تتحدث عن تحضيرات عسكرية في محافظة السويداء، واحتمالات السعي إلى تغيير المعادلة الجغرافية والأمنية في الجنوب السوري.
وتتحدث روايات متداولة، تحتاج إلى تحقق مستقل، عن وصول أسلحة متطورة وطائرات مسيّرة ووسائل اتصال وتجهيزات قتالية إلى مجموعات مسلحة مرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، وسط حديث عن احتمال تحركات باتجاه أجزاء من محافظة درعا، بهدف إيجاد اتصال جغرافي بين مناطق نفوذ تلك المجموعات والمناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.
ورغم أن التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري ليس مجرد افتراض، في ظل توارد تقارير وثّقت توغلات وتحركات عسكرية إسرائيلية في درعا والقنيطرة، فإن ذلك لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة متكاملة لإنشاء ممر بري أو كيان منفصل، لكن خطورة هذه الاحتمالات تستدعي التعامل معها بجدية سياسية وأمنية.
فأي تحرك عسكري خارج إطار الدولة، خصوصاً إذا ارتبط بدعم خارجي، قد يشعل الجنوب السوري مجدداً، في منطقة لا تزال جراحها الاجتماعية والسياسية مفتوحة، وتوازناتها المحلية شديدة الحساسية.
وعلى الهجري والمجموعات المرتبطة به إدراك أن الرهان على الحماية الإسرائيلية، إن كان يشكل أساس خياراتهم، لا يوفر ضمانة لمستقبل السويداء وأهلها، بل قد يحول المحافظة إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة، يدفع سكانها قبل غيرهم ثمن تداعياتها.
هنا تبرز أهمية المسار السياسي والتفاهمات التي تشارك فيها الولايات المتحدة والأردن والدولة السورية المعنية، بوصفها” خريطة الطريق” بديلاً واقعياً عن المغامرات المسلحة، ومدخلاً لمعالجة الأزمات الأمنية والاجتماعية ضمن إطار يحفظ وحدة البلاد ويضمن حقوق جميع مكوناتها.
أما نتنياهو، رأس المشروع الإسرائيلي، فيدرك على الأرجح أن نافذة فرض وقائع جديدة في سوريا ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، وأن هامش المناورة يتقلص كلما اتسعت شبكة المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة باستقرار الدولة السورية.
فكل تقدم في العلاقات السورية الأميركية، وكل توسع في الحضور الدبلوماسي لدمشق، وكل تفاهم إقليمي يعزز سيادتها، سيرفع الكلفة السياسية لأي محاولة إسرائيلية لفرض تقسيم فعلي أو تكريس منطقة نفوذ دائمة في الجنوب.
وفي النهاية، لا يتعلق السؤال بقدرة نتنياهو على إشعال مواجهة جديدة، بل بمدى استعداد ترامب لتحمل نتائجها على مشروعه الإقليمي، فهل يختار الرئيس الأميركي حماية مسار الاستقرار الذي يسعى إلى بنائه، أم يمنح نتنياهو فرصة لإعادة المنطقة إلى دوامة الفوضى التي يحاول الجميع الخروج منها؟






