نجوى صليبه
ضمن فعاليات أسبوع المسرح الذي تقيمه مديرية الثقافة في دمشق، استضاف المركز الثّقافي العربي في المزة ندوة حوارية بعنوان “المسرح السّوري بين الإرث الثقافي وتحديات الواقع” قدّمها المسرحي غزوان البلح، وبدأها بتعريف المسرح بأنّه مزيج فنّي بين الأداء والنّص والدّيكور، تجتمع كلها لتقدّم قصة تعرض بشكل مباشر للجمهور، مبيناً أنّ عبارة “المسرح أبو الفنون” التي كنّا نسمعها دائماً جاءت من كونه أقدم الفنون وانطلق بشكل منظّم، ومنه تفرعت بقية الفنون الأخرى.
وأضاف: “يتميّز المسرح بالتّفاعل الحيّ بين الجمهور والممثلين، وصقله للموهبة، فالمسرح هو مصنع الفنان، فمن يستطيع مواجهة الجمهور مباشرة يستطيع أن يبدع في أيّ مكان”.

وعاد البلح بالذّاكرة إلى المراحل الأساسية التي مرّ فيها المسرح، “بدأ بالجذور الطّقوسية وتتمثّل بالطّقوس الدّينية والأهازيج والاحتفالات، ثمّ ظهر المسرح الإغريقي وكان الفضل لليونانيين في مأسسة المسرح وتنظيمه، وانقسم حينها إلى مسرحي المأساة والملهاة، وبعدها جاءت العصور الوسطى وصار المسرح تحت السّلطة الدينية يُستخدم للمواعظ وخصوصاً في أوروبا، وفي عصر النّهضة كانت الطّفرة الكبرى تأتي من شكسبير في إنكلترا وموليير في فرنسا، وهنا انتقل المسرح إلى عرض أوجاع الإنسان أكثر، وبعده تشكّل المسرح الحديث وصار هناك مدارس مختلفة، ودخلت التكنولوجيا الرقمية”.
وبالحديث عن علاقة المسرح السّوري بالمسرح العربي، قال البلح: “مؤسس المسرحين واحد وهو أبو خليل القبّاني الذي قدّم أوّل عرض سنة 1871 بعنوان “ناكر الجميل”، لكنّه حُورب وحوصر من المحافظين والرّافضين لوجود المسرح، فانتقل إلى مصر وأسس المسرح العربي وصارت النّهضة المسرحية في مصر، بعد فترة أبو خليل القباني، اتّجه المسرح نحو النّوادي والجمعيات وبرزت فرق ومؤسسات مسرحية، برز منها عبد الوهاب أبو السعود مؤسس فرقة “ايزيس” في سوريا، وفي فترة الانتداب الفرنسي استخدم المسرح كنوع من مقاومة الاستعمار، وكان هناك نادي التّمثيل العربي الذي تأسس في عام 1910، وبرز فيه فوزي الجزائرلي وأحمد عبيد، وفي عام 1960 تأسس “المسرح القومي”، وكان هناك تبنٍّ رسمي من الدّولة للمسرح، وبرز حينها اسم سعد الله ونوس الذي نقل المسرح السّوري إلى العالمية، وبعده محمد الماغوط بمسرحيات تحاكي المشكلات الاجتماعية، ومن ثمّ عبد اللطيف فتحي الذي ابتعد عن اللغة الفصحى واستخدم اللهجة المحكية، وتيسير السّعدي الذي ساهم بتأسيس المسرح الحر في عام 1977، وفي العام ذاته تأسس المعهد العالي للفنون المسرحية، وكانت خطوة الاحتراف الحقيقية التي نقلت الممثلين والمخرجين السّوريين إلى قيادة الدّراما في الوطن العربي”.
وتوقّف البلح عند أنواع المسرح السّوري، وقال: “هناك المسرح القومي التّابع لوزارة الثقافة وكان يقدم نصوصاً مسرحية سورية وعالمية، والمسرح السّياسي السّاخر الذي برز فيه دريد لحام ونهاد قلعي ومحمد الماغوط، والمسرح الشّعبي لعبد اللطيف فتحي، ومسرح الشوك الذي أسسه عمر حجو، وكان يقدّم لوحات قصيرة تشبه “الستاند أب كوميدي” حالياً، إضافة إلى المسرح التّجريبي الذي كان يعتمد على طلاب المعهد، ومسرح الظل والحكواتي، ومسرح العرائس والمسرح الجامعي الذي خرّج نجوم الصف الأوّل في الدراما العربية، ومسرح العمّال والمسرح الخاص الذي خرج منه محمود جبر”.
أمّا أهمية المسرح السوري في الوطن العربي في زمن مضى، فاختصرها البلح بالقول: “كان للمسرح العربي جناحان هما: المسرح السوري الذي يتميّز بتأصيله الأكاديمي وصلابته الفكرية، والمسرح المصري الذي يتميّز بجماهيريته وتنوّعه”.
مراحل كثيرة مرّ فيها المسرح السّوري، وعانى فيها كثيراً لكنّه صمد على الرّغم من كلّ الظّروف، واليوم وبعد فترة ركود دامت شهوراً، تعود الحياة رويداً رويداً إلى خشبة المسرح، لكن لا تزال أمامه تحدّيات كثيرة، يقول البلح: “يجد المسرح نفسه أمام مشهد سياسي واجتماعي معقّد، فالرّقابة لم تعد التحدي الوحيد، بل هناك إعادة بناء الهوية الفنّية بسبب التّغيرات الجذرية التي طرأت على البلاد، وهناك مهمّات كثيرة أمامنا كالبحث عن تمويل بعيداً عن الأجندات السياسية، فنحن نعاني غياب المنتج الخاص، وكلّ العروض ميزانياتها محدودة وهذا يخفف من الجودة أحياناً، وهناك رقابة جديدة مجتمعية ناتجة عن الصّراع ودينية أحياناً مبالغ فيها، ودائماً هناك حرص منّا لكي لا نقع في فخ “البروباغندا”، وهذا يخلق رقابة ذاتية لدى المسرحي نفسه، ولدينا استنزاف بالكوادر ويجب تشجيع المبدعين واستقطابهم، ورفع أجور المسرحيين، فقلة الأجور تدفع الممثلين إلى التلفزيون، كذلك المسارح بحاجة إلى صيانة”.
وقدّم البلح بعض المقترحات التي من شأنها دعم المسرح، وتعزيز الثقة بينه وبين الجمهور، يقول: “أقترح تنشيط المسرح الجوّال ولاسيّما في المناطق النّائية، وزيادة عدد المسارح، ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل المسرح من مسرح باتجاهين، مسرح سلطة ومسرح معارض، نحن بحاجة إلى مسرح جديد هو مسرح الإنسان السوري، يمتلك الجرأة على مراجعة الماضي ونقد الحاضر بلسان حرّ وبأدوات فنية عالية”.








