المزيد

‫آخر الأخبار:‬

المناطق الحرة تعيد رسم مسار التجارة السورية – التركية

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

جاءت زيارة وفد الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، إلى ولاية مرسين التركية، لبناء منظومة تجارية ولوجستية أوسع، تتداخل فيها الموانئ والمناطق الحرة والنقل والطاقة والاستثمار.

ولبحث الاستفادة من التجربة التركية في تطوير المناطق الحرة واستقطاب الاستثمارات وتعزيز التبادل التجاري، بالتزامن مع جولات ميدانية في ميناء مرسين والمنطقة الحرة ولقاءات مع مسؤولين ورجال أعمال.

وحول أهمية ذلك أكد الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية باسل كويفي في حديثه لـ”الوطن” أن هذه الخطوة تعكس انتقال العلاقات السورية–التركية من مستوى التصريحات السياسية إلى بناء شراكات مؤسسية ولوجستية أكثر وضوحاً، معتبراً أن التعاون في الموانئ والجمارك والمناطق الحرة يمكن أن يُشكّل أحد مفاتيح إعادة تموضع سوريا اقتصادياً في المنطقة.

وبحسب كويفي، تمثّل مرسين نموذجاً عملياً في إدارة الموانئ والمناطق الحرة، نظراً إلى قدرتها على الجمع بين النشاط الصناعي والتجاري والخدمات اللوجستية وحركة الشحن البحري.

وتبرز هنا أهمية ربط هذه التجربة بالموانئ والمناطق الحرة السورية، ولا سيما في اللاذقية وطرطوس، إلى جانب المراكز التجارية والصناعية في حلب وإدلب، بما يتيح تقليل زمن التخليص الجمركي ورفع كفاءة حركة البضائع.

ولنقل التجربة التركية خلال الزيارة، اطلع الوفد السوري على آليات تشغيل الميناء، ومناولة الحاويات، والتقنيات المستخدمة لتسريع حركة السفن والإجراءات المرتبطة بها، وهي خبرات يمكن أن تستفيد منها سوريا في عملية إعادة تأهيل وتطوير موانئها ومناطقها الحرة.

ويأتي هذا التحرّك في وقت تشهد فيه التجارة السورية–التركية توسّعاً ملحوظاً.

ووفق المعطيات التي يستند إليها كويفي، موضحاً بالأرقام أن حجم التجارة بين البلدين بلغة نحو 3.75 مليارات دولار خلال عام 2025، بنمو ذيرب من 45 بالمئة، فيما واصل التبادل نموه خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026.

إلا أن ارتفاع حجم التجارة لا يعني بالضرورة توازناً أكبر بين الطرفين، إذ لا تزال الصادرات التركية تستحوذ على حصة واسعة من السوق السورية، وخصوصاً في المواد الغذائية ومواد البناء والآلات والكيماويات، مقابل محدودية الصادرات السورية.

وهنا يبرز التحدي الأساسي أمام أي اتفاق تجاري جديد، كيف تتحوّل زيادة التبادل التجاري من نمو في الواردات إلى نمو متوازن يرفع قدرة المنتج السوري على التصدير؟

فالاستفادة في سوريا لن تتحقق بمجرد زيادة حركة الشاحنات والمعابر، وإنما بقدرة الصناعات والزراعة والخدمات السورية على الوصول إلى الأسواق التركية والإقليمية، والاستفادة من المناطق الحرة كمراكز إنتاج وتصدير، وليس فقط كمنافذ لدخول البضائع.

ويطمح الطرفان، إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى نحو 10 مليارات دولار سنوياً، وهو هدف يتطلب، إلى جانب توسيع التجارة، معالجة اختلال الميزان التجاري وزيادة القدرة التصديرية السورية.

من المعابر إلى ممرات الترانزيت:

ولا يتوقف التعاون عند التجارة التقليدية، إذ تتسع الرؤية لتشمل النقل والطاقة والربط الإقليمي.

ويشير كويفي إلى أن تشغيل خط الغاز الممتد من كيليس إلى حلب شكل خطوة مهمة في دعم احتياجات الطاقة السورية، في وقت تبحث فيه المنطقة عن مسارات جديدة لربط مصادر الطاقة والأسواق.

كما تبرز مشاريع الربط السككي وتطوير المعابر الحدودية باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع لإعادة وصل تركيا بسوريا والأردن وصولاً إلى أسواق الخليج.

وفي حال اكتمال هذه المنظومة، يمكن لسوريا أن تستعيد تدريجياً دورها كممر ترانزيت بين المتوسط والخليج، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط الأسواق التركية والأوروبية من جهة، والأسواق العربية والخليجية من جهة أخرى.

وهنا تصبح الموانئ والمعابر والمناطق الحرة أكثر من مجرد منشآت تجارية؛ فهي تتحول إلى بنية تحتية تؤثر في موقع الدولة داخل شبكة التجارة الإقليمية.

التشريعات شرط للاستثمار:

ويشير كويفي إلى أن تطوير المناطق الحرة يتطلب بالتوازي تحديث البيئة التشريعية والتنظيمية، ولا سيما القوانين الجمركية وإجراءات الاستثمار وآليات إدارة المناطق الحرة.

فالموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحويل سوريا إلى مركز تجاري إقليمي؛ إذ يحتاج المستثمر إلى وضوح في القوانين وسرعة في الإجراءات واستقرار في السياسات، إضافة إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب حركة التجارة.

من زيارة ميدانية إلى مشروع اقتصادي طويل الأمد:

وتشكل زيارة مرسين، وفق قراءة كويفي، محطة في مسار أوسع لإعادة صياغة العلاقات السورية–التركية على أساس اقتصادي ومؤسسي، لكن تحويل هذا المسار إلى شراكة مستدامة يحتاج إلى أكثر قدرة من الاتفاقات والزيارات. فالمعيار الحقيقي سيكون في سوريا على تطوير بنيتها التحتية، وتحديث تشريعاتها، ورفع تنافسية إنتاجها، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية فعلية.

وبين خبرات تركيا الواسعة في إدارة المناطق الحرة والموانئ وما تمتلكه سوريا من موقع جغرافي يمنحها دوراً محورياً في حركة التجارة بين المتوسط والعالم العربي.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح دمشق في استثمار هذا الموقع لبناء اقتصاد تصديري ومركز ترانزيت إقليمي، أم يقتصر الانفتاح الجديد على توسيع سوق الاستيراد؟

فالمعادلة المقبلة بين البلدين لن تُحسم بحجم التجارة وحدها، وإنما بمدى قدرة الشراكة على خلق قيمة مضافة داخل سوريا، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتحويل الموانئ والمناطق الحرة والمعابر إلى محركات فعلية للنمو الاقتصادي.