المشاهد القادمة من مناطق الاشتباك بين “قسد” وقوات الجيش العربي السوري، على ما تحمله من ألم الماضي والحاضر ونُذر توتر يومي، لا تُشير ـ في جوهرها ـ إلى انسداد أفق بقدر ما توحي بانفراجٍ يتشكّل على مهل.. هذا ما يستنتجه المراقب المتأني، وما تفرضه أيضاً الرعاية الدولية الساعية إلى منع انفلات المشهد وتداعياته الإقليمية.. وتريده الدولة السورية بعقل “الجراحة العصبية” بأنه تقدّمٌ محسوب وتثبيتٌ لقواعد جديدة، كما حدث في محطات سابقة حين اختارت الدولة إدارة ملفات معقّدة بأقل قدر ممكن من الفوضى.. وفي المقابل يمكن فهم صراخ الأجندات القسدية بوصفه نهاية مرحلة لم تُردها ولم تستعد لها، ونهايتها تعني سقوط أحلامٍ بُني عليها الوجود السياسي والعسكري طوال عقدٍ كامل.
الاندماج كمسار حتمي
قراءة المشهد في الشمال السوري بعقل بارد، مع تقاطع مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين، تُرجّح كفّة وحدة الأراضي السورية واستعادة الدولة لقرارها وحدودها ومواردها، وتؤشر إلى أفول زمن الميليشيات “ما دون الدولة”.. حيث يبدو أن لا حدود جديدة ستُرسم، ولا “كياناتٍ موازية” ستبقى قابلة للحياة في الأفق القريب، مهما ارتفعت الضوضاء الإعلامية.

واللافت أن القوى السياسية هناك ـ ومعها جمهورها ـ بدت عاجزة عن قراءة المتغيرات في البوصلة الدولية، حتى جاءت تصريحات أمريكية بصياغة علنية غير مألوفة في الأعراف السياسية لتقول بمضمون واضح: إن “قسد” أدّت وظيفةً وانتهى دورها، وإن عليها الاندماج ضمن الدولة السورية.. هنا يصبح السؤال الطبيعي: ما الذي تستصعبه “قسد” وجمهورها في مفهوم الاندماج؟ فالاندماج ليس خياراً قابلاً للتفاوض من حيث المبدأ، بقدر ما هو مسارٌ حتمي.. لا يمكن لدولة أن تمضي إلى مستقبل مستقر وهي تعيش على تعددية السلاح، وتعددية القرار الداخلي والخارجي، والسلاح المُنفلت الذي يفتح الباب لكل نزاعٍ محتمل.
مركزية الدولة، خصوصاً في الجانب العسكري والأمني، ليست “ترفاً سياسياً”، بل هي شرط تأسيس الدولة ذاتها.. وحتى في أكثر الجيوش تنوعاً في البشر والخلفيات، تبقى القاعدة واحدة: هرمية وتَسَلْسُل ومرجعية واحدة للسلاح. ويَكفي أن نتذكّر أن مفهوم الدولة الوطنية نفسه بدأ يغادر صورته القديمة لمصلحة تحالفات وتكتلات تحفظ للدول حضورها، كما هي حال الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو”.
وفي السياق الأوسع، تتبدل خرائط الحركة البشرية والاقتصادية بسرعة، وتتحدث تقارير وتقديرات متداولة عن أعداد كبيرة من الأوروبيين ـ ومنهم فرنسيون ـ يختارون دول المغرب العربي بعد التقاعد لأسباب معيشية واجتماعية، بينما تتجه بوصلة الشباب المغاربي إلى أوروبا بحثاً عن الفرص الاقتصادية.. وفي المقابل تعيد الاستثمارات تموضعها عالمياً، وتتنافس الدول على جذب المال والبحث والمعرفة والفنون والرياضة، في عالمٍ يزداد ترابطاً. وسط هذا كله، تبدو “الحالة القسدية” كمن يعاند الحاضر والمستقبل معاً، ويستثمر في تأجيل ما لا يمكن تأجيله.
الهدنة.. استنفاد الذرائع وحقّ الرد
من تفاصيل “اللحظة الحرجة” يمكن فهم موافقة الدولة السورية على تمديد الهدنة بوصفه قراراً وظيفياً وليس عاطفياً: توفير ممرات لخروج المدنيين، واستكمال نقل بعض الملفات الحساسة كي لا تتحول إلى ورقة ابتزاز في ترتيبات الأيام الأخيرة.. ويمكن قراءة الهدنة أيضاً بوصفها إدارة ذكية للتوقيت: احتفاظ بحقّ الرد على أي خرق، مع تثبيت صورة الدولة كطرف يحاول استنفاد الذرائع قبل الذهاب إلى خيارات أكثر حدّة، إضافة إلى دعوة أحزاب وتيارات كردية للحوار في دمشق وهو ما ينقض دور “قسد” كممثل وحيد للكرد في سوريا.
والأهم أن صانع القرار في دمشق، يكشف الذهنية القسدية أمام حلفاء الأمس، وأمام الدول الإقليمية، وأمام الشارع السوري، وصولاً إلى جمهور “قسد” نفسه. فبينما تُعرض مشاهد الأنفاق والتحصينات، تتبدّى في المقابل فجوة الخدمات الأساسية: لا تعليم ولا صحة ولا طرق ولا بنية إنسانية تليق بحياة الناس.
الوقائع تكشف السردية
ومع تراكم الوقائع تتآكل البروباغندا التي أحاطت بالتنظيم طوال العقد الماضي.. حيث تُظهر الوقائع المتداولة ممارساتٍ تناقض المواثيق الدولية: تجنيد القاصرين، اعتقالات تعسفية، سجون، توترات داخل المدن التي حكمها التنظيم، إضافة إلى اتهامات بنهب الموارد وتدهور الأحوال الاقتصادية.. وبغضّ النظر عن تفاصيل كل ملف، فإن صورة “النموذج المثالي” لم تعد صالحة كما كانت تُقدَّم.
إن تراكم كل هذا الجهد السياسي والأمني يقدم الشرط الأكثر حساسية وصعوبة في بنية “قسد” ذاتها، وهو ما يسميه البعض، “تطهير الجسد” من الداخل، أي فصل التنظيم المحلي عن البُنى العابرة للحدود التي تُثقِل الملف وتستجلب حساسيات إقليمية.. وهذا ما تريده الدولة السورية، ويطالب به الحليف التركي، وتفهمه أطراف غربية بوصفه مخرجاً عملياً.. فترحيل قيادات غير سورية، وتقديم تمثيل كردي سوري محلي، يمكن أن يفتحا باب التوافق على شكلٍ من الإدارة المحلية في مناطق ذات أغلبية كردية ضمن سيادة الدولة. أمّا أن تُسلَّم إدارات محلية إلى قوى من خارج الحدود، فذلك أقرب إلى العبث السياسي منه إلى الحل.
الدولة السورية تتجه لطيّ مرحلة القسدية، وقريباً ستصبح من الماضي، ويمكن تلمس سعيها لفتح باب دولة المواطنة والحقوق والواجبات والتنمية.
ما يجري في الجزيرة السورية أبعد من “اتفاق دمج” أو خلاف على مناصب وهياكل.. نحن أمام تصفية مرحلة يجب طيّها كي تُفتح المرحلة التالية بعناوينها الجديدة: دولة واحدة، قرار واحد، سيادة واحدة.. ثم انطلاق مشروعات التنمية والاستثمار وإعادة البناء والتأهيل بوصفها خطواتٍ أساسية لتجاوز الامتحان الأصعب على السوريين بعد سنوات الجراح والانتقال من إدارة الحرب إلى صناعة الدولة، ومن منطق السلاح إلى منطق المؤسسة، ومن الفوضى إلى معنى الوطن.







