تشهد محافظة الحسكة تصاعداً في حدة الاحتقان نتيجة التلكؤ الحكومي في بيان حقيقة الوضع القائم، والحديث عن تقدم في مسار الاندماج مع “قسد”، في ظل غموض في آليات تنفيذ الاتفاق وتباين التفسيرات بين الطرفين حول بنوده.
وعلى غير العادة، شهد يوم الجمعة حدثاً لافتاً تمثل في اعتراض عدد من الشبان للوفد الحكومي المكوّن من وزير الصحة الدكتور مصعب العلي، ومدير الشؤون السياسية في الحسكة عباس الحسين، ومدير الأمن الداخلي في الحسكة العميد مروان العلي، وذلك عقب مغادرته مناطق سيطرة تنظيم “قسد”، بعد زيارة أجراها إلى مدينة الحسكة، وعلى الطريق ذاته الذي احتفل فيه الأهالي قبل نحو أسبوعين بدخول الأمن الداخلي إلى الحسكة.
وحسب مصادر كانت مرافقة للوفد، فإن الشبان احتجوا على استمرار منعهم من دخول الحسكة من قبل تنظيم “قسد”، وعلى الملاحقات الأمنية، إضافة إلى رفضهم لعدم وضوح الاتفاق بين الحكومة و”قسد”.

وتتقاسم السيطرة في المحافظة القوات الحكومية السورية، ممثلة بالجيش والأمن الداخلي، التي سيطرت مؤخراً على مناطق الشدادي واليعربية وتل حميس وتل براك، إضافة إلى أجزاء من جبل عبد العزيز، ورأس العين التي خرجت من سيطرة “قسد” خلال عملية عام 2019، فيما تسيطر “قسد” على مراكز مدن الحسكة والقامشلي وعامودا، وبلدات مثل القحطانية والمالكية والدرباسية، ما يمنحها السيطرة على الثقل البشري الأوسع في المحافظة.
ويقول سكان من أرياف الحسكة: إن “قسد” لا تزال تمنع دخول المدنيين المقيمين في المناطق التي خرجت من سيطرتها حديثاً إلى المناطق التي لا تزال خاضعة لها، كما تستمر في التضييق على الأحياء ذات الغالبية العربية التي تشكل نحو ثلثي الحسكة وثلث القامشلي، وتفرض ما يشبه الحصار على قوات الأمن الداخلي التي دخلت مدينتي الحسكة والقامشلي قبل نحو أسبوعين.
في الوقت ذاته، فإن الدخول الحكومي إلى مدينتي الحسكة والقامشلي لا يزال اسمياً وشكلياً، إذ لم تتسلم الحكومة المعابر الحدودية ولا مطار القامشلي ولا حتى حقول النفط في رميلان، التي أُجريت لها زيارة استكشافية فقط.
ورغم التصريحات المتكررة عن الدمج بين الطرفين من مسؤولين سياسيين وأمنيين، فإن الطرف الحكومي يقول: إن الدمج سيكون فردياً، بينما تقول “قسد” إنه جماعي، ولا تزال قواتها ترفع علماً خاصاً بها، ولم ترفع العلم السوري حتى الآن. كما أن المحافظ نور الدين عيسى يبدو متردداً في إظهار العلم السوري؛ فبينما يُرى العلم خلفه داخل مكتبه خلال زيارات المسؤولين الحكوميين وشيوخ العشائر، يختفي العلم في زيارات الوفود الكردية.
وحسب مصادر ميدانية، بدأت بالفعل تحركات انسحاب متزامنة يوم الجمعة، حيث انسحبت وحدات من الجيش السوري نحو جنوب الحسكة، وحلّ الأمن الداخلي محلها في تل حميس واليعربية وتل براك، في وقت نفذت فيه “الأسايش” دوريات من القامشلي باتجاه تل براك ضمن تحرك داخل مناطق سيطرة “قسد”، بينما تقدمت في قرى كانت خالية من أي وجود عسكري من القامشلي باتجاه تل حميس، وتركزت في منطقة “أبو قصايب”.
هذا الواقع دفع عدداً من أبناء العشائر في ريف الحسكة إلى إعلان النفير العام في قرى تل حميس وتل براك، لمنع أي تقدم لـ”الأسايش” نحو المنطقتين، بعد تداول روايات عن احتمال انتشارها بالتوافق مع الجهات الرسمية، رغم عدم صدور أي بيان سوري يوضح تفاصيل ذلك أو يطمئن الأهالي إلى طبيعة المرحلة المقبلة.
وتبرز المخاوف بشكل خاص في المناطق العربية، إذ يرفض السكان قوات “الأسايش” التي تحمل رايات وشعارات خاصة بها لا تتبع للرموز الرسمية للدولة، ويتهمونها بارتكاب انتهاكات خلال السنوات الماضية بحقهم، ما يثير حساسيات قد تؤدي إلى ردود فعل سلبية في حال لم يُحسم ملف الدمج ضمن مؤسسة أمنية موحدة برموز وطنية واضحة.
ويطالب الأهالي ببقاء مناطقهم تحت سيطرة الأمن الداخلي السوري، ويخشون من التخلي عنها لـ”الأسايش”، التي يقولون إن معظمهم مدرجون على قوائم المطلوبين لديها بسبب مشاركتهم في احتفالات طرد “قسد” أو في القتال ضدها وإخراجها من المنطقة.
ويرى مراقبون أن استمرار الغموض الرسمي حول تفاصيل الاتفاق، بالتوازي مع التحركات الميدانية، قد يفتح الباب أمام احتكاكات غير محسوبة، في وقت تبدو فيه الصورة السياسية أكثر هدوءاً بعد لقاءات خارجية جمعت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع قائد “قسد” مظلوم عبدي، وإلهام أحمد، المسؤولة في الإدارة الذاتية التابعة لـ”قسد”، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن في مدينة ميونيخ.
ويبدو المناخ السياسي بين الطرفين مريحاً ومبشراً، إلا أن غموض تفاصيل الاتفاق والحديث عن نجاحات في التقدم بمساره على الأرض، في وقت لا تزال فيه المحافظة مقسمة السيطرة، يبدوان مقلقين للسكان الذين يجدون أنفسهم بين خيارات لا تضمن الحفاظ على أمنهم.
الوطن – عبدالعزيز الخليفة








