رأى الباحث في المجال السياسي والأمني، ضياء قدور، أن تأكيد الحكومة السورية، أن الغارات الأردنية التي استهدفت مناطق في ريف درعا مساء الإثنين وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين لم يتم التنسيق بشأنها مع دمشق، “يتوافق مع ما حدث فعلياً”.
وفي تصريح لـ”الوطن”، أضاف قدور: إن “الغارات لم تنفذ بالدقة الكافية ولا بالحجم المطلوب من التنسيق مع الجانب السوري، واستخدمت قوة غاشمة أوقعت ضحايا مدنيين لا علاقة لهم بالمخدرات أو الإرهاب”. وتابع: “في الحقيقة الغارات كانت تبدو وكأنها تميل لخدمة أهداف استعراضية أكثر مما كانت موجهة لمعالجة تحديات أمنية ملحة.”
وجاءت الغارات الأردنية في وقت وصلت العلاقة السورية – الأردنية منذ التحرير إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ البلدين، الأمر الذي يطرح السؤال: من المتضرر من هذه العلاقة؟ ومن المستفيد من توتير الأجواء؟ ومن يعمل على إبقاء المنطقة مشتعلة؟
وبهذا الصدد أوضح قدور، أن وصول العلاقات بين سوريا الجديدة والأردن إلى مستوى أخوي ومتين غير مسبوق، يزعج من يريد إبقاء المنطقة مشتعلة وفي مقدمتهم إسرائيل وإيران، لافتاً إلى أن الأردن شعباً وحكومة من أكبر المستفيدين من سقوط نظام بشار الأسد الإجرامي البائد، الذي سمح للميليشيات الإيرانية والحشد الطائفي أن تصل لحدود الأردن وتهديد أمنها.
ومن وجهة نظره، “أي سوء تقدير أو تفاهم يمكن حله بالتنسيق الأخوي المشترك، لأن المصلحة المشتركة في الاستقرار أقوى من أي محاولة للفصل بين البلدين”.
وحملت الروايات الأردنية بشأن منفذي هجوم كنيسة في الكرك تناقضات واضحة، حيث أعلنت عمان بعد إلقاء القبض عليهم أنه لا يوجد علاقة بين المجموعة المنفذة للهجوم ومجموعات خارجية، ومن ثم عادت أمس وبررت شن الغارات على مناطق بدرعا باستهداف مجموعات داعشية لها علاقة بتنفيذ هجوم الكنيسة.
واعتبر قدور، أن “التناقض في التصريحات الأردنية واضح ويستدعي توضيحاً شفافاً، والأردن بلد شقيق وجار عزيز، لكن الأخطاء العسكرية واردة، وقد تكون فادحة في بعض الأحيان، كما حدث سابقاً في أكثر من أربع عشرة غارة منذ أيار 2023 أدت في بعض الحالات إلى سقوط مدنيين”، مشدداً على أن هذا “يستوجب مراجعة شاملة للنهج الميداني والاعتراف بالأخطاء، خاصة أن الغارات السابقة كانت تركز على مواقع تجار مخدرات، بينما ربطت غارات أمس بسياق مختلف تماماً ألا وهو الهجوم الإرهابي على الكنيسة”.
الباحث في المجال السياسي والأمني، رأى أن التصريحات الرسمية للجانبين السوري والأردني تشير إلى أن الأمور ذاهبة نحو “احتواء الأزمة عبر قنوات التواصل المفتوحة، لأن العلاقات أخوية ومتينة ولا تتزعزع، والتصريحات السورية أكدت أهمية التنسيق الميداني والأمني المشترك للحفاظ على السيادة وأمن البلدين، والأردن يدرك أن أي إشكال يُحلّ بالتنسيق لا بالتصعيد، والأخطاء واردة، لكن المصلحة المشتركة في الاستقرار ستغلب”.
وعدّ قدور أن تأثير هذه الغارات التي أدت إلى استشهاد 8 مدنيين على العلاقات بين البلدين، سيكون “محدوداً ومؤقتاً إذا تم التعامل معه بحكمة، فالعلاقات لا تتزعزع بهذه الأخطاء، والتنسيق المشترك يسهم في حل كل سوء تقدير”.
وفي الوقت نفسه أوضح قدور، أن “سقوط مدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال، أمر مؤلم ويستوجب اعترافاً ومراجعة، لكنه لن يهدم ما بُني من شراكة إستراتيجية غير مسبوقة بعد التحرير”.
وأبرز الجوانب التي يمكن أن تؤثر فيها هذه الغارات، وفق قدور، هي الثقة الميدانية على الحدود والحاجة إلى آليات تنسيق أدق لمنع سقوط مدنيين، إضافة إلى الجانب الإنساني الذي طال عائلات بريئة لا علاقة لها بأي نشاط إرهابي أو مخدرات، والجانب السياسي يبقى محصناً لأن العلاقات وصلت إلى مستوى متين، بينما الجانب الأمني يتطلب مراجعة منهجية للوضع الميداني ومراقبة التهديدات ومتابعته لتجنب تكرار الأخطاء”.
أما بشأن المطلوب من الأردن بعد هذه الغارات وسقوط ضحايا في درعا، فقد بيّن قدور أن المطلوب هو “اعتراف صريح بالأخطاء ومراجعة شاملة للنهج الميداني، وتعزيز التنسيق المسبق مع دمشق في أي عملية حدودية، وتقديم توضيح شفاف حول الأهداف والدقة، والأردن جار شقيق، والتعامل الأخوي مع هذا الحادث يحفظ العلاقات ويمنع أي طرف من استغلاله لتوتير الأجواء”.
من جهتهم قدم مراقبون قراءة لدوافع الغارات الأردنية على درعا، لفتوا خلالها إلى أن القرار الأردني محكوم بتوازنات عشائرية دقيقة، والاعتداء على الكنيسة في الكرك أحدث ضغطاً داخلياً تطلب فعلا سريعاً يظهر الحزم، مع تأكيدهم أن هذا تفسير للسياق لا تبرير للفعل. وبرأي هؤلاء المراقبين، فإن معلومة مغرضة قدمت لصاحب القرار في لحظة الضغط.. واستغلت الرغبة في رد عاجل يهدئ الداخل، ومن ثم تم تنفيذ الغارات على عجل من دون تحقق كاف من المعلومة، وهذا السلوك يكشف أن الهدف كان رسالة داخلية بقدر ما كان عملاً عسكرياً.
أسرة التحرير









