انتشرت خلال الفترة الأخيرة عبر صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي إعلانات تروّج لخدمات تتيح للسوريين شراء المنتجات من مواقع إلكترونية تركية وإتمام عمليات الدفع والشحن إلى سوريا عبر بطاقات، في نموذج جديد يختصر على المستهلك بعض القيود المرتبطة بالشراء الإلكتروني من الخارج، ويضع شركات وسيطة في صلب عملية الدفع والشراء والتوصيل.
وبينما تبدو هذه الخدمات للوهلة الأولى وسيلة لتسهيل وصول المستهلك السوري إلى الأسواق الإلكترونية التركية، فإن طبيعة آلية الدفع، ومصدر الأموال، والعمولات المترتبة عليها، إضافة إلى مدى خضوع هذه العمليات للأطر التنظيمية والرقابية، تطرح جملة من التساؤلات الاقتصادية والمصرفية، ولا سيما مع تنامي الاعتماد على الحلول الرقمية في عمليات الدفع والشراء عبر الحدود.
وفي هذا السياق، رأى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن البيئة الرقمية السورية شهدت تحولاً لافتاً في أنماط الاستهلاك، تمثل بانتشار خدمات وسيطة تُيسر وصول المستهلك السوري إلى منصات التجارة الإلكترونية التركية، متجاوزةً بذلك عقبات الدفع والشحن التقليدية.
تحول يكشف تشوهاً في النظام المالي
وأوضح محمد أن هذه الظاهرة، وإن بدت في ظاهرها استجابة طبيعية لطلب محلي متعاظم على سلع لم تعد توفرها السوق المحلية، إلا أنها في جوهرها تعكس تشوهاً بنيوياً في النظام المالي والمصرفي السوري، مبيناً أنه بقدر ما تقدم حلاً استهلاكياً فإنها تكرس واقعاً اقتصادياً موازياً يطرح إشكاليات عميقة تتعلق بتدفقات رأس المال، والسيادة النقدية، وعدالة المنافسة، وفعالية أدوات السياسة الاقتصادية.
أثر الخدمات على الاستهلاك
وفيما يتعلق بالأثر الاقتصادي لانتشار خدمات الشراء والدفع عبر المواقع التركية، أشار محمد إلى أنه يمكن تحليل هذا الأثر على مستويين، أولهما على مستوى الاستهلاك ورفاهية الأفراد، إذ تسهم هذه الخدمات في توسيع سلة الخيارات المتاحة أمام المستهلك السوري، وتتيح له الوصول إلى سلع قد تكون مفقودة أو أعلى سعراً في السوق المحلية، ما يحقق منفعة استهلاكية آنية.
وأضاف أن هذه الخدمات تخلق نوعاً من المنافسة غير المباشرة مع التجار المحليين، لكنها منافسة غير متكافئة، لأن المستورد عبر هذه القنوات لا يتحمل أعباء الرسوم الجمركية والضرائب والتراخيص بالطريقة النظامية.
تسرب للعملات وإضعاف للإنتاج المحلي
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فبيّن محمد أن الأثر الأهم سلبي في معظمه، إذ تؤدي هذه القنوات إلى تسرب العملات الأجنبية خارج النظام المالي الرسمي، وتحديداً الدولار، في بلد يعاني أصلاً من شحّ في القطع الأجنبي.
كما تسهم، بحسب رأيه، في تكريس الازدواج النقدي وتعميق الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، لأن التسعير والدفع يتمان خارج إطار المصرف المركزي.
وأشار كذلك إلى إضعاف القاعدة الضريبية والجمركية، إذ تدخل السلع عبر الحوالات الشخصية أو الشحن المباشر دون أن تستفيد الخزينة العامة من رسومها، إضافة إلى تقويض الإنتاج المحلي عبر إغراق السوق بسلع مستوردة بطرق غير نظامية يصعب على الصناعة المحلية منافستها سعرياً.
مخاطر مصرفية
وعن المخاطر والتحديات المصرفية والتنظيمية، ومتطلبات الضبط والحماية، أوضح محمد أن المخاطر الاقتصادية والمصرفية تبدأ من التحايل على قوانين الصرف والتحويلات، إذ تتم هذه العمليات بمعزل عن النظام المصرفي الرسمي، عبر وسطاء وحسابات خارجية، ما يعني خروج العملة الصعبة من دون أي رقابة، ويضعف قدرة المصرف المركزي على إدارة الاحتياطيات.
ولفت إلى أن من بين المخاطر أيضاً غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ إن غياب التوثيق الرسمي، وعدم إمكانية تتبع مصدر الأموال، وطبيعة الحوالات غير الشفافة، تجعل هذه القنوات جاذبة لغسل الأموال أو التحويلات المريبة.
كما تحدث عن غياب حماية المستهلك، مبيناً أنه لا توجد جهة محلية يمكن مساءلتها عند الاحتيال أو عدم مطابقة السلع أو التأخير، إذ يبقى الوسيط خارج أي إطار قانوني محلي واضح.
وأشار محمد كذلك إلى مخاطر سعر الصرف والتسعير العائم، موضحاً أن الوسيط يقوم بتسعير الخدمة والعمولة وفق سعر صرف غير رسمي، ما يعرض المستهلك لخسائر كبيرة ويجعل العملية برمتها قائمة على ثقة غير مؤسسية.
إضافة إلى ذلك، رأى أن هذه الخدمات تؤثر في المنافسة المحلية من خلال خلق بيئة أعمال غير عادلة تضرب التجار النظاميين المسجلين، ما يشجع على التهرب الاقتصادي المنظم.
إطار قانوني ورقابي
وفيما يتعلق بما هو مطلوب لضمان التنظيم والحماية، دعا محمد إلى وضع إطار قانوني وتنظيمي واضح يلزم الشركات الوسيطة بالترخيص من مصرف سورية المركزي أو هيئة تنظيم الاتصالات والتجارة الإلكترونية.
كما دعا إلى إلزام هذه الشركات بالمرور عبر قنوات مصرفية رسمية لتحويل قيمة المشتريات، مع تحديد سقوف شهرية وسنوية للأفراد، وفرض رسوم جمركية وضريبية عادلة على هذه المعاملات، بما يوازن بين رغبة المستهلك وحماية المنتج المحلي ومصالح الخزينة.
وطالب كذلك بتأسيس آلية رقابية على عمليات الدفع الرقمي عبر الحدود لمنع غسل الأموال، وفق توصيات مجموعة العمل المالي “FATF”، إضافة إلى إلزام المنصات بالإفصاح الكامل عن الرسوم والعمولات وسعر الصرف المعتمد لضمان الشفافية وحماية المستهلك.
مرآة لحالة الاقتصاد السوري
وفي رأيه الأكاديمي الاقتصادي، اعتبر أن خدمات الوساطة للشراء من المواقع التركية تمثل مرآةً صادقة لحالة الاقتصاد السوري، في ظل سوق تعاني نقصاً في السلع، وقيوداً على التحويلات، وقطاع مصرفي منعزل عن العالم، ومستهلك يبحث عن حلول فردية بعيداً عن الدولة.
ورغم أن هذه الظاهرة تحمل في ظاهرها حلاً عملياً لمشكلة الاستهلاك، فإنها في العمق تُعمق اختلالات الاقتصاد الكلي، وتُضعف السيادة النقدية، وتُفرغ النظام الضريبي والجمركي من مضمونه.
ولذلك، يرى محمد أن التعامل مع هذه الظاهرة يجب ألا يكون أمنياً أو منعياً فحسب، بل يجب أن يتحول إلى فرصة لإصلاح جدي في قطاع المدفوعات الرقمية والتجارة الإلكترونية، عبر بناء إطار تشريعي ورقابي يسمح بالابتكار مع حماية المصلحة العامة، مؤكداً أنه من دون ذلك ستستمر الحلول الموازية في التمدد، وستبقى خسائر الاقتصاد الوطني أكبر بكثير من منافع الاستهلاك الآنية.









