يدخل المريض غرفة العمليات وهو يعرف غالبا اسم الطبيب ونوع العملية وتكلفتها، لكنه قد لا يعرف اسم الشبكة التي ستزرع في شرايينه، أو الصمام الذي سيبقى في قلبه، أو البطارية التي سيعتمد عليها لسنوات.
هذه المستلزمات ليست مجرد أدوات طبية تنتهي مسؤولية الرقابة عليها عند وصولها إلى المستشفى، فكل شبكة أو صمام أو بطارية لها مصدر ومواصفات ورقم تشغيلة أو رقم تسلسلي ومسار يفترض أن يكون معروفا وقابلا للتتبع حتى لحظة استخدامها مع المريض.
لكن معلومات يتم تداولها في الأوساط الطبية عن وجود بعض هذه المستلزمات برسم الأمانة لدى بعض المشافي، وعن فروقات في أسعار بعضها، تفتح سؤالاً يتجاوز السعر نفسه: كيف تدخل هذه المستلزمات إلى المشافي؟ ومن يراقب مصدرها ومطابقتها وصلاحيتها؟ وهل يمكن تتبع كل قطعة منها من المورد حتى جسد المريض؟
لا تعني هذه المعلومات وجود مخالفة أو مستلزمات مهربة، ولا تصلح وحدها دليلاً على ذلك، لكنها تضع منظومة الرقابة أمام اختبار واضح، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بمستلزم قد يبقى داخل جسم الإنسان سنوات.
ما يتداول
في تصريح لـ«الوطن» نفى مصدر في وزارة الصحة وجود مستلزمات طبية مهربة أو غير نظامية في المشافي العامة أو الخاصة وأكد وجود الرقابة على المنشآت الصحية، لكن المصدر أشار في الوقت نفسه إلى ضبط نحو 50 قسطرة منتهية الصلاحية في أحد مشافي دمشق الخاصة، إضافة إلى مخالفات أخرى ضبطتها الجهات المختصة.
وهنا تنتقل القضية من سؤال وجود الرقابة إلى سؤال توقيتها وفعاليتها: هل تصل الرقابة إلى المستلزم قبل استخدامه أم تكتشف بعض المخالفات بعد وصول المنتج إلى المستشفى أو انتهاء صلاحيته؟
برسم الأمانة
الدكتور “زكوان قريط” أستاذ إدارة الأعمال في جامعة دمشق وسبق أن تولى منصباً إدارياً في مشفى المواساة قال لـ«الوطن»: إن وجود مستلزمات برسم الأمانة يمكن أن يحدث في بعض المشافي الخاصة من خلال شركات أو موردين يضعون مستلزمات لدى المشفى على أن تتم محاسبتهم عند استخدامها.
ويؤكد “قريط” أن هذا النوع من التعامل يحتاج إلى تنظيم واضح وألا يبقى خارج معرفة الجهة الصحية المختصة، مقترحا إلزام المشافي بتقديم بيانات عن المستلزمات لديها تتضمن الكميات والمواصفات وتواريخ الصلاحية والمصدر.
كما يرى ضرورة إخضاع المستودعات للتفتيش المفاجئ وألا يدخل أي مستلزم طبي إلى المشفى من دون أن تكون الجهة الصحية على علم بنوعه وكميته ومصدره ومدى مطابقته للمواصفات.
بعض الأطباء
الخط الأكثر حساسية في القضية يظهر عند العلاقة بين المورد والطبيب، ففي بعض الحالات يمكن أن تتداخل العلاقة التجارية بين المورد وبعض الأطباء مع قرار اختيار المستلزم المستخدم للمريض.
وقال قريط لـ«الوطن»: إن هذا الأمر يمكن أن يحدث في بعض الحالات، مشيرا إلى احتمال حصول بعض الأطباء على نسبة مرتبطة بالمستلزم المستخدم.
وهذا لا يعني اتهام الأطباء عموماً، ولا يعني أن كل علاقة بين طبيب ومورد تمثل مخالفة، لكنه يكشف حاجة واضحة إلى قواعد تمنع تضارب المصالح وتضمن أن يكون اختيار الشبكة أو الصمام أو البطارية أو القسطرة قائماً على الحاجة الطبية ومواصفات المنتج لا على أي منفعة تجارية.
غطاء نظامي
الأخطر في سلسلة التتبع هو احتمال أن تستفيد مستلزمات غير معروفة المصدر من وجود مستلزمات أخرى دخلت بصورة نظامية.
ويطرح قريط لـ«الوطن» سيناريو يمكن فيه استخدام البضاعة النظامية كغطاء لتداول مستلزمات أخرى خارج المسار النظامي، ما يجعل مطابقة الكميات المسجلة مع الموجود فعلياً داخل المستشفى أمراً أساسياً.
وهنا تبرز أهمية الترميز والتتبع، حيث تكون لكل قطعة بيانات واضحة عن الشركة المصنعة والمورد ورقم التشغيلة أو الرقم التسلسلي وتاريخ الصلاحية والجهة التي وصلت إليها.
حلقة مفقودة
الرقابة على المستلزم الطبي لا تقع على عاتق جهة واحدة، فالجمارك تراقب حركة البضائع عند الحدود، بينما تحتاج وزارة الصحة إلى رقابة داخل المشافي تشمل المستودعات والمستلزمات المستخدمة ومطابقة الموجود مع الوثائق.
ويؤكد “قريط” ضرورة أن تكون هناك جهة صحية قادرة على معرفة مصدر المستلزم ومواصفاته وصلاحيته وربط بياناته بالجهة التي استوردته أو وردته إلى المشفى.
كما تتحمل إدارة المشفى والجهة الطبية المسؤولة فيه مسؤولية معرفة مصدر المستلزم وترميزه وتوثيق استخدامه.
حق المريض
وسط هذه السلسلة يبقى المريض الطرف الأقل معرفة، ومن حقه أن يحصل على معلومات واضحة عن المستلزم الذي زرع في جسده أو استخدم في علاجه، بما في ذلك اسم الشركة المصنعة وبلد المنشأ ورقم التشغيلة أو الرقم التسلسلي وتاريخ الاستخدام.
فإذا ظهرت مشكلة في منتج أو جرى سحبه من الأسواق تصبح هذه المعلومات وسيلة أساسية للوصول إلى المرضى الذين استخدم لديهم.
لا يثبت هذا التحقيق وجود مستلزمات مهربة في المشافي، ولا يوجه اتهاماً عاماً إلى الأطباء أو الموردين، لكنه يضع سؤالاً محدداً أمام منظومة الرقابة:
هل يمكن تتبع كل شبكة وصمام وبطارية وقسطرة من لحظة دخولها البلاد وحتى لحظة دخولها جسد المريض؟ إذا كان الجواب نعم، فيجب أن يكون ذلك قابلاً للإثبات بسجل واضح.
أما إذا ضاعت القطعة بين المورد والمستودع وغرفة العمليات، فإن أخطر نقطة في سلسلة الرقابة فستبقى حيث لا ينبغي أن تكون: داخل جسد المريض.









