أوضح الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن القراءة المالية والاقتصادية لتقرير “الأداء المالي – نسخة المواطن” للنصف الأول من عام 2026، تكشف عن تحسّن واضح في حجم الإيرادات، بالتوازي مع ارتفاع أكبر في حجم الإنفاق، الأمر الذي انعكس اتساعاً في العجز خلال الأشهر الستة الأولى من العام.
وبيّن عبد الكريم أن هذه القراءة تستند إلى البيانات المنشورة في التقرير، الممتد على 21 صفحة، مع إعادة احتساب المجاميع والنسب ومقارنتها بأرقام الموازنة الأصلية وببعض المؤشرات الاقتصادية الأخرى، مع التأكيد على أن صحة العمليات الحسابية الواردة في التقرير لا تعني أنها تمثّل تدقيقاً مستقلاً للحسابات الحكومية، إذ لا تتوافر ضمن التقرير دفاتر الخزينة أو كشوف الحسابات المصرفية أو الحسابات الختامية المدقّقة التي تسمح بإصدار حكم تدقيقي مستقل.
الإيرادات ترتفع 111 بالمئة والإنفاق يقفز 331 بالمئة
وفق الأرقام التي أشار إليها عبد الكريم، بلغت الإيرادات العامة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 2.695 مليار دولار، مقابل 1.280 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت نحو 1.415 مليار دولار، أي ما يعادل 110.55 بالمئة.
في المقابل، ارتفع الإنفاق العام من نحو 858 مليون دولار في النصف الأول من عام 2025 إلى 3.700 مليارات دولار في النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 2.842 مليار دولار، وبنسبة ارتفاع بلغت نحو 331.24 بالمئة.
ويشير عبد الكريم إلى أن الصورة الأبرز تظهر عند النظر إلى نتيجة الموازنة نفسها، إذ تحوّلت من فائض بلغ نحو 422 مليون دولار في النصف الأول من عام 2025 إلى عجز قدره نحو 1.005 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، أي إن رصيد الموازنة تدهور بنحو 1.427 مليار دولار بين الفترتين.
وبذلك غطّت الإيرادات خلال النصف الأول من العام نحو 72.84 بالمئة من الإنفاق، في حين مثّل العجز نحو 27.16 بالمئة من إجمالي الإنفاق خلال الفترة.
ويؤكد عبد الكريم أن هذه النسب هي نسب تدفّقات مالية خلال الفترة، ولا ينبغي تفسيرها باعتبارها مؤشرات مباشرة على حجم الدين العام أو التضخّم.
ماذا تعني أرقام التنفيذ؟
بلغت تقديرات الإيرادات السنوية في موازنة عام 2026 نحو 8.716 مليارات دولار، في حين بلغت الاعتمادات الإجمالية للإنفاق نحو 10.516 مليارات دولار، مع عجز مخطّط قدره يتجاوز المليار دولار.
وبحسب عبد الكريم، فإن الإيرادات المحققّة خلال النصف الأول تمثّل نحو 30.92 بالمئة من الإيرادات السنوية المقدرة، بينما بلغ تنفيذ الإنفاق نحو 35.18 بالمئة من الاعتمادات السنوية، في حين بلغ العجز المحقّق خلال النصف الأول نحو 55.83 بالمئة من العجز المخطط للعام كاملاً.
ويعني ذلك، وفق القراءة الحسابية، أن النصف الأول استهلك أكثر من نصف هامش العجز المخطّط للعام، رغم أن الإيرادات المحقّقة لم تتجاوز نحو ثلث الإيرادات السنوية المقدّرة.
ويبلغ متوسط الإيرادات الشهري خلال الأشهر الستة الأولى نحو 449.17 مليون دولار، مقابل متوسط إنفاق شهري يقرب من 616.67 مليون دولار، أي بفجوة شهرية وسطية تبلغ نحو 167.5 مليون دولار.
لماذا ارتفعت الإيرادات؟
يربط تقرير وزارة المالية تحسّن الإيرادات بعدة عوامل، من بينها بدء تحويل إيرادات النفط والغاز إلى وزارة المالية، وتحسن التحصيل، وارتفاع تكاليف الاستيراد، إلى جانب عوامل مرتبطة بتوسّع العمل المؤسسي.
ويلفت عبد الكريم إلى أن التقرير لا يقدّم مقارنة تفصيلية كافية على مستوى كل بند من بنود الإيرادات بين النصف الأول من عامي 2025 و2026، ولذلك لا يمكن توزيع الزيادة البالغة 1.415 مليار دولار بصورة دقيقة بين هذه العوامل من دون بيانات أكثر تفصيلاً.
كما أن بدء تحويل إيرادات النفط والغاز إلى وزارة المالية في شهر أيار يجعل قراءة الرقم المحقّق خلال النصف الأول أكثر تعقيداً، إذ لا يمكن التعامل معه ببساطة باعتباره مستوى نصف سنوي قابلاً للتعميم على كامل العام، ما لم تتوافر بيانات شهرية توضح الإنتاج والكميات والأسعار والتكاليف وحصة الدولة والتسويات المالية.
العجز يتسع رغم نمو الإيرادات
يرى عبد الكريم أن النقطة الأساسية في قراءة أرقام النصف الأول لا تتعلّق بمجرد ارتفاع الإيرادات بنسبة تزيد على 110 بالمئة، بل في كون الإنفاق ارتفع بوتيرة أكبر بكثير، إذ زاد بأكثر من ثلاثة أمثال مستواه في الفترة المماثلة من العام السابق.
وهنا تظهر المفارقة الرئيسة في أرقام التنفيذ، فتحسّن الإيرادات لم يكن كافياً لمنع انتقال الموازنة من فائض في النصف الأول من 2025 إلى عجز يتجاوز المليار دولار في النصف الأول من 2026.
النصف الثاني أمام اختبار أكبر
تظهر الحسابات أن الوصول إلى الإيرادات السنوية المقدّرة في الموازنة، والبالغة 8.716 مليارات دولار، يتطلب تحقيق نحو 6.021 مليارات دولار إضافية خلال النصف الثاني من العام، أي بمتوسط شهري يقرب من 1.0035 مليار دولار، مقارنة بمتوسط شهري بلغ نحو 449.17 مليون دولار خلال النصف الأول.
وبحسب هذه المقارنة، فإن الإيرادات الشهرية في النصف الثاني تحتاج إلى الارتفاع بنحو 123.41 بالمئة عن متوسط النصف الأول للوصول إلى كامل التقدير السنوي.
أما إذا تحققت إيرادات بنحو 8 مليارات دولار خلال العام، فإن ذلك يعني فجوة قدرها نحو 716 مليون دولار عن التقدير السنوي البالغ 8.716 مليارات دولار، أي أقل بنحو 8.21 يالمئة.
وفي حال تحقّق إيراد سنوي قدره 8 مليارات دولار مع استمرار الإنفاق عند كامل الاعتماد السنوي البالغ 10.516 مليارات دولار، فإن العجز سيصل حسابياً إلى نحو 2.516 مليار دولار، أي أعلى بنحو 716 مليون دولار من العجز المخطط، وبزيادة تقرب من 39.78 بالمئة عن العجز المقدر في الموازنة.
أما إذا كان الهدف الحفاظ على العجز ذاته مع إيرادات تبلغ 8 مليارات دولار، فإن سقف الإنفاق ينبغي أن ينخفض إلى نحو 9.8 مليارات دولار، أي بخفض يقرب من 716 مليون دولار، أو نحو 6.81 بالمئة من إجمالي الاعتمادات السنوية.
ماذا تقول وتيرة النصف الأول؟
يشير عبد الكريم إلى أن تكرار أداء النصف الأول بصورة آلية لا يمثّل توقعاً للمستقبل، لكنه يقدّم اختباراً حسابياً مهماً، فإذا تكرر مستوى الإيرادات والإنفاق نفسه في النصف الثاني، ستصل الإيرادات السنوية إلى نحو 5.390 مليارات دولار، مقابل إنفاق يقرب من 7.400 مليارات دولار، ما يعني عجزاً سنوياً يقرب من 2.010 مليارات دولار.
ولا يعني ذلك أن هذا هو السيناريو المتوقّع بالضرورة، إذ يمكن أن تختلف الإيرادات والنفقات في النصف الثاني نتيجة الموسمية، وتحصيل بعض الموارد المتأخرة، وبدء تدفقات جديدة، إضافةً إلى التطورات الاقتصادية والمالية التي قد ترفع أو تخفض الإيرادات والإنفاق.
لكن عبد الكريم يرى أن الفارق الكبير بين الأداء الفعلي في النصف الأول وبين ما يلزم لتحقيق التقديرات السنوية يجعل النصف الثاني اختباراً حقيقياً لقدرة المالية العامة على زيادة الموارد وضبط مسار الإنفاق في الوقت نفسه.
وتبقى قراءة هذه الأرقام، وفق عبد الكريم، خطوة أولى لفهم أداء الموازنة، إذ إن الحكم على قدرة المالية العامة على تمويل التعافي لا يتوقف عند حجم الإيرادات والإنفاق والعجز، بل يتطلب النظر إلى مصادر الإيرادات، وطبيعة النفقات، وكيفية تمويل العجز، ومدى ارتباط الإنفاق بالاستثمار والخدمات والنشاط الاقتصادي، وهي ملفات تكشفها قراءة أكثر تفصيلاً لبنود الموازنة وتنفيذها.
لكن أرقام الإيرادات والإنفاق والعجز لا تكشف وحدها الصورة الكاملة لأداء الموازنة، فالمسألة الأهم تكمن في معرفة مصادر الإيرادات التي رفعت حصيلة الخزينة، والجهات والبنود التي استحوذت على الجزء الأكبر من الإنفاق
فارتفاع الإيرادات قد يرتبط بعوامل مختلفة، كما أن زيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة اتساع الهدر، ما لم تُقرأ في ضوء طبيعة كل بند وحجم تنفيذه وأثره الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا تنتقل القراءة في المقال التالي إلى تفكيك مكوّنات الإيرادات والنفقات، للوقوف على من أين جاءت الأموال؟ وأين ذهبت؟، وما الذي تكشفه نسب التنفيذ عن أولويات الموازنة خلال النصف الأول من عام 2026؟









