لا تتوقف تداعيات انتشار عمليات بيع وشراء العملات المستقرة، وعلى رأسها USDT، عند حدود العلاقة بين الشركات والمتعاملين أو عند غياب الإطار القانوني الناظم لها، بل تمتد إلى الاقتصاد الأوسع، من الليرة وسوق القطع إلى المصارف وحركة الأموال، وصولاً إلى المخاطر التي يتحملها المستهلك في ظل غياب الضوابط والرقابة.
وفي هذا السياق، يطرح انتشار هذه الأداة الرقمية أسئلة حول تأثيرها في السياسة النقدية، وقدرة الجهات المعنية على قياس حركة الأموال، وحماية المتعاملين معها.
الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم رأى أن المخاطر ليست متساوية، وأخطرها ما يمس النقد الوطني وليس ما يمس الأفراد.
“الدولرة ” الرقمية تضغط على الليرة
وقال في حديثه ل”الوطن”: إن الخطر الأول اسمه الدولرة الرقمية، موضحاً أن الدولرة تعني أن يحل الدولار محل الليرة في وظائفها الثلاث: أن تقاس به الأسعار، وأن يشترى ويباع به، وأن تدخر به الأموال.
والدولرة بالورق النقدي لها كوابح طبيعية، فهي تحتاج إلى خزائن ونقل وحراسة وحدود يعبرها المال، أما العملة الرقمية فتلغي هذه الكوابح كلها، وتنتقل من هاتف إلى هاتف آخر في ثوان.
والأخطر برأي عبد الكريم أنها تضرب الوظيفة الثالثة تحديداً، وهي الادخار فمن يشتري دولاراً ورقياً يبقى داخل السوق المحلي وقد يعيده إليها يوماً، أما من يحول مدخراته إلى رمز رقمي فقد خرج من دائرة العرض المحلي نهائياً.
ونتيجة ذلك تتقلص كمية الليرات التي يحتاجها الناس فعلاً، فيضعف أثر أي قرار نقدي لاحق، ويتقلص ما يسمى عائد الإصدار، وهو الربح الذي تحققه الدولة من فرق بين قيمة الورقة النقدية وتكلفة طباعتها.
والمفارقة أن سوريا، حسب عبد الكريم، تمر الآن بعملية استبدال العملة، وهي اللحظة التي يفترض أن يعاد فيها بناء الثقة بالليرة من الصفر، وأن وجود بديل ثابت القيمة ومتاح على الهاتف في هذا التوقيت بالذات يعني أن جزءاً من الطلب الذي كان يفترض أن يعود إلى الليرة الجديدة قد يذهب إلى الرمز الرقمي.
سوق قطع ثالث خارج الرؤية
أما الخطر الثاني، برأي عبد الكريم، فيتعلق بسوق القطع، وسببه أن هذا التدفق غير مرئي، فالمصرف المركزي يستطيع أن يرى الدولارات الداخلة عبر شركات الصرافة والحوالات المرخصة، لكنه لا يرى شيئاً مما يدخل ويخرج عبر المحافظ الرقمية.
أي إنه يقيس العرض والطلب على الدولار بناء على جزء من الصورة فقط، وأي قرار يبنى على معلومة ناقصة يكون خاطئاً بالضرورة، ثم إن هذا السوق يسبب سعر صرف ثالثاً إلى جانب الرسمي والموازي، لأن سعر بيع الرمز يختلف من مدينة إلى أخرى وحسب طريقة الاستلام، فتنشأ فرص مضاربة بالشراء من مكان رخيص والبيع في مكان أغلى، وهو ما يزيد تشتت الأسعار بدل أن يوحدها.
يضاف إلى ذلك أن أي قيود على خروج الأموال من البلد تفقد معناها أمام أداة تنتقل إلى أي مكان في العالم برسم لا يتجاوز بضعة دولارات مهما كان المبلغ كبيراً، فتخرج الأموال من دون أن تسجل في أي حساب رسمي، وتظهر الأرقام الخارجية للبلد أفضل مما هي في الحقيقة.
المدخرات الرقمية تضغط على المصارف
ولفت عبد الكريم إلى الخطر الثالث الذي يقع على المصارف، فالمصرف يعيش على أمر واحد: يجمع ودائع الناس ويقرضها للمشروعات، وإذا ذهبت المدخرات إلى محافظ رقمية خارج النظام، تقلصت الودائع، وضعفت قدرة المصارف على تمويل الاقتصاد، والقطاع المصرفي السوري يعاني أصلاً ضعفاً شديداً في الودائع.
وهناك ضرر غير مباشر لكنه أكبر تكلفة: وجود قناة كاملة لنقل الأموال خارج أي رقابة يضعف موقف سوريا أمام مجموعة العمل المالي، وهي الجهة الدولية التي تقيّم الدول في مكافحة غسل الأموال، ويؤخر خروج سوريا من القائمة الرمادية، أي قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المشددة.
ويعني تأخير الخروج منها تأخير عودة المصارف العالمية للتعامل مع المصارف السورية، وعلى هذا يتوقف الاستيراد والتحويلات والاستثمار.
أي إن الضرر النهائي يقع على القطاع المصرفي النظامي كله، لا على المتعاملين بالعملة الرقمية.
المستهلك أمام مخاطر بلا حماية
أما مخاطر المستهلك فهي الأوضح والأسهل فهماً فلا يوجد ضمان للودائع، ولا فصل بين مال الشركة ومال الزبون، فإذا أفلست ذهب ماله معها.
ولا توجد جهة يشكو إليها، والتحويل على “البلوكشين” لا يمكن التراجع عنه تقنياً، فالمبلغ الذي يرسل بالخطأ أو نتيجة احتيال لا يعود.
وهناك مخاطر لا ينتبه إليها الناس عادة، أولها أن قيمة الرمز تعتمد كلياً على قدرة شركة خاصة على الوفاء بوعدها، فإن شك السوق في احتياطياتها انهار السعر فوراً، وثانيها أن إرساله عبر شبكة خاطئة يفقده نهائياً، وثالثها، وهو الأهم، أن الشركة المُصدرة تملك تقنياً القدرة على تجميد أي محفظة بقرار منفرد إذا طلبت منها سلطة أجنبية ذلك.
أي إن من يظن أنه يحتفظ بمال بعيد عن سيطرة أي دولة، يحتفظ في الواقع بمال تحت سيطرة جهة أجنبية واحدة لا يملك أمامها أي حق.
المشكلة في غياب القياس
ويرى عبد الكريم أن المشكلة ليست في وجود هذه الأداة، بل في أنها خارج القياس فالاقتصاد يستطيع أن يتعايش مع دولرة يعرف حجمها ويصمم سياسته على أساسها، لكنه لا يستطيع التعامل مع كتلة نقدية موازية لا يعرف حجمها ولا اتجاه حركتها.
ولهذا فإن الحل ليس المنع، لأن المنع هو ما دفع هذا النشاط أصلاً إلى مجموعات مغلقة على تطبيقات المراسلة يستحيل رصدها، بل إصدار إطار واضح يعرف هذه الأصول، ويحدد من يمنح الترخيص، ويفرض رأسمالاً أدنى وفصلاً لأموال العملاء وتحققاً من هوياتهم وإبلاغاً عن العمليات المشبوهة، ويحسم هل يسمح باستخدام هذه العملة قناة تحويل من الخارج فقط أم وسيلة دفع داخلية أيضاً.
فالتنظيم هنا أداة رؤية قبل أن يكون أداة عقاب، وفائدته الأولى أن يعرف صانع القرار ما يجري في السوق، وهذه معلومة تحتاجها السياسة النقدية أكثر مما تحتاجها النيابة العامة.









