المزيد

‫آخر الأخبار:‬

الشركات “العائلية ” بين قوة التأسيس وخطر الاندثار.. والحل في التحول إلى مساهمة

‫شارك على:‬
20

تمثل الشركات العائلية جزءاً مهماً من القطاع الخاص السوري وقد تمكنت خلال عقود من بناء أعمال واسعة في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات مستفيدة من تراكم الخبرة والثقة وسرعة اتخاذ القرار والقدرة على الاعتماد على التمويل الذاتي.

لكن هذا النموذج يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في قدرته على الاستمرار عندما ينتقل من جيل المؤسس إلى الأجيال اللاحقة إذ تتحول الميزة التي وفرتها الملكية العائلية في مرحلة التأسيس أحياناً إلى نقطة ضعف عندما تتوسع الشركة وتتعدد المصالح والورثة.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالحميد الصباغ أن الشركات العائلية في حد ذاتها ليست مشكلة اقتصادية بل المشكلة تبدأ عندما تبقى الشركة مرتبطة بشخص المؤسس أو بمجموعة محدودة من أفراد العائلة ولا تنتقل إلى نظام مؤسسي واضح، مشيراً إلى أن غياب الفصل بين الملكية والإدارة قد يؤدي إلى اختيار القيادات على أساس القرابة بدلاً من الكفاءة ويحد من قدرة الشركة على الاستفادة من الخبرات المتخصصة.

ويضيف أن الخطر الأكبر يظهر عند انتقال الشركة من الجيل الأول إلى الثاني والثالث حيث يمكن أن يؤدي تعدد الورثة واختلاف توجهاتهم إلى تجزئة الملكية وتضارب المصالح وصولاً إلى بيع الأصول أو تقسيم النشاط بدلاً من تطويره.

وأن استمرار هذا النموذج على نطاق واسع يمكن أن تكون له انعكاسات على الاقتصاد الكلي لأن الشركات الكبيرة التي تعتمد على التمويل العائلي ولا تتمتع بهيكل مؤسسي واضح قد تواجه صعوبة في الحصول على التمويل اللازم للتوسع، كما أن محدودية الإفصاح والحوكمة تقلل قدرتها على جذب المستثمرين والشركاء الاستراتيجيين.

ويؤكد أن مرحلة إعادة البناء يحتاج إلى تحويل المدخرات الخاصة إلى استثمارات منتجة وهو ما يتطلب توسيع قاعدة الملكية وفتح المجال أمام رؤوس أموال جديدة بدلا من بقاء جزء من الثروة الاقتصادية محصورا ضمن ملكيات مغلقة.

ومن هنا يبرز التحول إلى الشركات المساهمة باعتباره أحد الخيارات التي يمكن أن تساعد الشركات العائلية على الاستمرار وليس باعتباره تخلياً عن ملكية العائلة.

فالتحول إلى شركة مساهمة يمكن أن يسمح للعائلة بالاحتفاظ بحصة مؤثرة في الشركة مع إدخال مساهمين جدد واعتماد مجلس إدارة أكثر استقلالية وفصل الملكية عن الإدارة وتطبيق معايير أوضح للشفافية والتدقيق والحوكمة.

كما يمكن لهذا التحول أن يفتح أمام الشركات أبواباً جديدة للتمويل ويساعد الشركات الناجحة على زيادة رأسمالها وتمويل توسعاتها والوصول مستقبلاً إلى سوق دمشق للأوراق المالية.

ويقدر الكثير من المتابعين أن عملية التحول في سوريا تحتاج إلى حوافز تجعلها خياراً اقتصادياً جذاباً وليس مجرد التزام قانوني، وفي مقدمة هذه الحوافز تقديم تسهيلات ضريبية للشركات التي تتحول طوعاً وتبسيط إجراءات إعادة الهيكلة وتقييم الأصول وتوفير برامج استشارية تساعد العائلات على وضع أنظمة حوكمة وخطط واضحة لانتقال الملكية بين الأجيال.

كما يتطلب الأمر تطوير سوق دمشق للأوراق المالية ليصبح قناة حقيقية لتمويل الشركات وليس مجرد سوق لتداول الأسهم.

وتبدو أهمية هذا التوجه أكبر في المرحلة الحالية مع توجه الجهات الاقتصادية السورية نحو تشجيع الشركات العائلية على التحول إلى شركات مساهمة وإدراج الشركات المؤهلة في السوق المالية.

فالهدف في النهاية ليس إنهاء الشركات العائلية وإنما إنقاذ الشركات القابلة للنمو من خطر التفكك مع مرور الأجيال وتحويلها من شركات تعتمد على الأشخاص والعلاقات العائلية إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على الاستمرار لعشرات السنين.

وبذلك يمكن أن تتحول الشركات العائلية من ثروة معرضة للتآكل بين الأجيال إلى قاعدة لرأس مال سوري مؤسسي قادر على الاستثمار والتوسع وخلق فرص العمل والمساهمة بصورة أكبر في النمو الاقتصادي.