إن الحديث عن التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري يبدأ من استعادة الثقة بالاقتصاد وبيئة الأعمال، فهي العامل الذي يحدد قدرة رأس المال على العودة، والاستثمار على التوسع، والإنتاج على النمو، ويجعل من الانفتاح الاقتصادي فرصة فعلية لإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد، وفق ما أكده الباحث والخبير الاقتصادي د. إبراهيم قوشجي. في تصريح لـ”الوطن”.
موضحاً أن الثقة في الاقتصاد تأخذ معنى يتجاوز الجانب النفسي، فهي عنصر مؤثر في القرار الاستثماري وتكلفة المخاطر. فالمستثمر يحتاج إلى القدرة على توقع القواعد والتكاليف والعوائد، والمصرف يحتاج إلى بيئة تسمح له بتقدير مخاطر التمويل، فيما يحتاج المنتج إلى استقرار يمكنه من التخطيط والتوسع. وعندما تغيب هذه الشروط، تتجه رؤوس الأموال إلى الانتظار أو إلى أسواق أكثر استقراراً.
ومن هنا، فإن التحدي السوري لا يرتبط فقط بتأمين التمويل أو توفير الموارد، وإنما بتهيئة البيئة التي تسمح بتحويل هذه الموارد إلى نشاط اقتصادي منتج. فسوريا تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح على محيطها الإقليمي والدولي، مع فرص أوسع للتجارة والاستثمار والشراكات، لكن الانفتاح وحده لا يصنع نمواً، ما لم يكن الاقتصاد قادراً على استيعابه.
سياسة اقتصادية واضحة
وأضاف ..تبدأ استعادة الثقة من وضوح الاتجاه الاقتصادي. فالمستثمر والمنتج والمواطن يحتاجون إلى معرفة الأولويات الاقتصادية، والقطاعات المستهدفة، وطبيعة السياسات التي ستنظم النشاط خلال السنوات المقبلة.
ولا يقل استقرار التشريعات أهمية عن وضوح السياسات. فالاستثمار، خصوصاً في الصناعة والزراعة والبنية التحتية، يحتاج إلى قواعد مستقرة تسمح بحساب التكاليف والعوائد. لذلك فإن تطوير القوانين وتبسيط الإجراءات وحماية حقوق المستثمرين ليست ملفات إدارية منفصلة، بل شروط مباشرة لتحسين بيئة الأعمال.
لكن التشريع لا يحقق أثره من دون مؤسسات قادرة على تطبيقه. فرفع كفاءة الإدارة الاقتصادية، وتنسيق عمل المؤسسات، وتسريع الإجراءات، وتقليل التداخل والبيروقراطية، كلها عوامل تخفض كلفة ممارسة الأعمال وتمنح المستثمر درجة أكبر من اليقين.
الإنتاج في قلب التعافي
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الإنتاج الحقيقي يبقى الاختبار الأهم لأي تحول اقتصادي. فسوريا تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والأنشطة الريعية إلى اقتصاد يستفيد من موارده المحلية ويخلق قيمة مضافة داخل البلاد.
ويعني ذلك إعادة تنشيط الزراعة والصناعة والخدمات الإنتاجية، وربطها بسلاسل قيمة متكاملة، بحيث لا تتوقف الاستفادة عند إنتاج المادة الأولية، بل تمتد إلى التصنيع والتسويق والتصدير.
فالهدف ليس زيادة حجم النشاط الاقتصادي فقط، وإنما تغيير بنيته باتجاه اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة، يخلق فرص عمل ويزيد الصادرات ويقلل الاعتماد على الخارج.
رأس المال السوري أولاً
وفي هذه المعادلة_ حسب د. قوشجي _ ، تبرز أهمية المستثمر السوري. فعودة رأس المال المحلي إلى الإنتاج والاستثمار تمثل مؤشراً عملياً على مستوى الثقة بالاقتصاد، كما أنها يمكن أن تفتح الطريق أمام رأس المال الإقليمي والدولي.
فالمستثمر الخارجي لا ينظر فقط إلى حجم الفرص، بل يراقب البيئة التي يعمل فيها المستثمر المحلي، ومدى استقرار القوانين، وقدرة المؤسسات على حماية الاستثمار، وإمكانية تحقيق عائد مستدام.
ومن هنا، فإن استعادة الثقة المحلية ليست بديلاً عن الاستثمار الخارجي، وإنما يمكن أن تكون مدخلاً لجذبه.
الانفتاح ليس هدفاً بحد ذاته
وذكر أن عودة سوريا إلى محيطها الاقتصادي الإقليمي والدولي تشكل فرصة مهمة، لكنها تحتاج إلى إدارة تحول دون أن يصبح الانفتاح مرادفاً لتوسع الاستيراد فقط.
القيمة الحقيقية للانفتاح تظهر عندما يقود إلى شراكات إنتاجية، واستثمارات جديدة، ونقل للخبرات والتكنولوجيا، وفتح أسواق أمام المنتجات السورية. عندها يتحول الانفتاح من مجرد حركة تجارية إلى رافعة للنمو.
أما إذا دخلت السلع إلى السوق من دون أن تتوسع القدرة الإنتاجية المحلية، فإن أثر الانفتاح سيبقى محدوداً على النمو، وقد يزيد الضغوط على القطاعات المحلية بدلاً من تعزيز قدرتها التنافسية.
الثقة تشمل المصارف والمستهلك
وأضاف أن دائرة الثقة لا تقتصر على المستثمر. فالمصارف تحتاج إلى بيئة مستقرة تستعيد فيها قدرتها على تمويل الاقتصاد، والمنتج يحتاج إلى سوق يمكن التنبؤ باتجاهاته، والمواطن يحتاج إلى الثقة بالادخار والاستثمار وبقدرة الاقتصاد على تحسين دخله.
وهنا يصبح تحسين القدرة الشرائية جزءاً من الدورة الاقتصادية، لأن الطلب المحلي عندما يستند إلى دخول حقيقية يمكن أن يدعم الإنتاج والتوسع والاستثمار. لكن استدامة ذلك تتطلب أن يواكب نمو الدخول ارتفاع في الإنتاجية، حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى ضغوط تضخمية جديدة.
وبالتالي، فإن بناء الثقة ليس قراراً منفرداً، بل نتيجة منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من وضوح السياسة واستقرار التشريعات، وتمر بكفاءة المؤسسات، وتصل إلى الإنتاج والاستثمار والتمويل والتصدير.
وتقف سوريا أمام فرصة لإعادة بناء اقتصادها على قاعدة مختلفة، لكن تحويل الفرصة إلى نمو يحتاج إلى أكثر من تدفق الأموال أو فتح الأسواق. المطلوب هو بيئة تجعل رأس المال السوري مستعداً للمخاطرة، والمستثمر الخارجي مطمئناً للدخول، والمصرف قادراً على التمويل، والمنتج قادراً على التوسع.
وهنا تتجمع المعادلة الاقتصادية في ستة مرتكزات: سياسة واضحة، قوانين مستقرة، مؤسسات فعالة، رأس مال محلي جريء، إنتاج حقيقي، وانفتاح اقتصادي منظم.
وجزم قوشجي أن التعافي لا يقاس بحجم الأموال التي تدخل البلاد، وإنما بما يتحول منها إلى مصانع ومشروعات واستثمارات وصادرات وفرص عمل.
فالاقتصاد لا يحتاج إلى المال وحده، بل إلى الثقة التي تدفع المال نحو الإنتاج.









