تعد محافظة إدلب بوابة إلى العديد من المواقع الأثرية التي تشهد على غنى حضارتها على مر العصور، ولا سيما أنها محاطة بمئات التلال الأثرية التي تعود إلى حقب مختلفة، ما جعلها موضع اهتمام عالمي، خاصة أنها تضم مواقع مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وتُعتبر إدلب (360 شمال دمشق) واحدة من المدن القديمة التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وقد ارتبطت بتاريخها ارتباطاً وثيقاً بالحضارات التي مرت على المنطقة، بدءاً من الآراميين وصولاً إلى العهد الإسلامي، وقد عُرفت بأنها كانت محطة مهمة على طرق التجارة القديمة، وأسهم موقعها الإستراتيجي في جعلها ملتقى للحضارات المختلفة.
وشكّلت إدلب أرضاً للحضارات الغابرة منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، وزخرت بتراث ثقافي وتاريخي غني ومتنوع امتد لآلاف السنين، ومرت عليها الآرامية والآشورية والحيثية والرومانية، حتى صارت تختزن في أرضها ثلث معالم وآثار سوريا، لكن مواقعها الأثرية تعرضت منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 إلى موجة دمار غير مسبوقة، فكان القصف الجوي العشوائي لقوات النظام البائد السبب الأكبر في تدمير العديد من المواقع الأثرية، مثل “سيرجيلا” و”قلعة سمعان” التي استُهدفت بأكثر من 11 غارة جوية.
كما تعرّض متحف إدلب لغارة روسية بعد تحرير المدينة بأربعة أيام فقط، أصابت سقفه وجدرانه وأدت إلى نهب وسرقة بعض القطع الأثرية.
ولم تتوقف الأخطار عند القصف، بل امتدت إلى عمليات التنقيب غير الشرعي عن الكنوز الأثرية من بعض السكان، وبيعها لتجار آثار.
كما جرى تكسير الحجارة الأثرية في كثير من القرى، خصوصاً في منطقة الكتلة الكلسية الممتدة من جنوب إدلب إلى شمالها.
ووسط ركام “قلعة سمعان” و”المدن المنسية”، تناثرت شواهد العصور الغابرة تحت ركام الغارات المدمرة، فما بين عمود هوى بفعل الصواريخ، وتماثيل هشمها القصف الممنهج، صرخة تطالب بإنقاذ ما تبقى من كنز الآثار السوري الذي دمره نظام الأسد.
اليوم وقبل الغد، فإن وزارة الثقافة متمثلة بالمديرية العامة للآثار والمتاحف، مطالبة بالتدخل الفوري لإنقاذ المواقع الأثرية والتاريخية في إدلب، من خلال إطلاق خطة طوارئ إسعافية تتضمن تشكيل فرق لتوثيق الأضرار، وفرض رقابة أمنية مشددة على التلال الأثرية لمنع عمليات النبش والسرقة، إلى جانب التنسيق مع المنظمات الدولية الأممية لحماية هذا الإرث الحضاري الإنساني من الاندثار الأبدي.






