اجتاح “ترند” جديداً مواقع التواصل الاجتماعي، معيداً المستخدمين لعقودٍ إلى الوراء، بعد أن أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي تحويل الصور الشخصية إلى مشاهد تحاكي أجواء ثمانينيات القرن الماضي، بتفاصيلها البصرية من الأزياء وتسريحات الشعر، إلى الألوان والإضاءة والخلفيات والديكورات.
وبضغطة زر، وجد آلاف المستخدمين أنفسهم داخل صور تبدو للوهلة الأولى وكأنها التُقطت قبل نحو أربعة عقود، فتنوّعت المشاركات بين صور للأزواج والأصدقاء والأحبّة، فيما اختار آخرون اختبار مظهرهم لو عاشوا في تلك الحقبة، حتى وإن كانوا ينتمون إلى أجيال لم تعاصرها.
ولم يقتصر انتشار “الترند” على فئة عمرية بعينها، إذ جمع بين أشخاص عاشوا ثمانينيات القرن الماضي واستعادوا عبر الصور ملامح طفولتهم أو شبابهم، وبين جيل أصغر وجدفيه تجربة بصرية جديدة تتيح له الاقتراب من زمن لم يعشه، والتعرّف إلى تفاصيله من خلال صور مصطنعة تبدو واقعية إلى حد بعيد.
ورغم أن الظاهرة قد تبدو في ظاهرها مجرد تجربة ترفيهية عابرة، فإن الانتشار الكبير لهذا النوع من المحتوى يفتح الباب أمام سؤال أوسع: “لماذا تحظى صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تعيد الإنسان إلى زمن مضى بهذا القدر من الاهتمام؟”.
مادة مثالية
يرى أستاذ علم الاجتماع باكير باكير أن ثمانينيات القرن الماضي تمتلك هوية بصرية واضحة ومميزة، جعلتها مادة مثالية لإعادة إنتاجها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويشير إلى أن الألوان الصارخة، والأزياء اللافتة، وتسريحات الشعر الجريئة، إلى جانب أنماط الديكور والسيارات وطرق التصوير، كلها عناصر ارتبطت بصورة قوية بتلك المرحلة في الذاكرة الجماعية.
ويعزو باكير انتشار هذا النوع من “الترندات” إلى عاملين رئيسيين: أولهما الحنين إلى الماضي، وثانيهما الرغبة في مواكبة ما يفعله الآخرون على منصات التواصل الاجتماعي.
ويضيف: إن سرعة الحياة المعاصرة وما يرافقها من ضغوط وتغيرات متواصلة، قد تدفع كثيرين إلى البحث عن صورة أكثر هدوءً وبساطة للماضي، ولا سيما مرحلة سبقت انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حين كانت العلاقات واللحظات اليومية تُعاش بعيداً عن الشاشات.
ويشرح باكير أن “الترندات” يمكن النظر إليها باعتبارها إحدى أبسط صور المشاركة الجماعية، إذ يشارك الفرد الآخرين تجربة واحدة، لكنه يعيشها من غرفته وخلف شاشته، وبالطريقة التي يختارها
وربما لا تمنح الصورة المولّدة بالذكاء الاصطناعي صاحبها شيئاً ملموساً، لكنها تمنحه قيمة أخرى تحظى بأهمية كبيرة في عالم التواصل الاجتماعي، وهي الانتباه.
ويؤكد باكير أن المشاركة في “ترند” واسع الانتشار قد تكون وسيلة بسيطة للتعبير عن الحضور والانتماء، وكأن المستخدم يقول: “أنا أيضاً موجود”، و”أنا جزء من هذه الجماعة”، ولدي صورتي الخاصة التي تستحق أن يراها الآخرون.
ومن هنا تتحول الإعجابات والتعليقات والمشاركات إلى شكل من أشكال الاعتراف الرقمي، خصوصاً أن هذا النوع من “الترندات” لا يتضمن عادة مواقف سياسية أو اجتماعية مثيرة للجدل، ما يجعله مساحة آمنة نسبياً للمشاركة، بعيداً عن الانتقاد أو الخلاف أو التداعيات القانونية التي قد ترافق أنواعاً أخرى من المحتوى.
عالية الوضوح
بدوره يوضح الخبير التقني يحيى الصبيح أن “ترند الثمانينيات” قد يبدو في ظاهره لعبة ممتعة، لكنه يطرح في المقابل مجموعة من الأسئلة التي تستحق التوقف عندها.
ويشير إلى أن المستخدم، عندما يرفع صورة واضحة لوجهه إلى تطبيق لا يعرف الجهة التي تقف وراءه، فهو لا يشارك صورة فحسب، وإنما يشارك ملامح وجهه بكل تفاصيلها، لافتاً إلى أن كلمة المرور في حال تعرضها للسرقة يمكن تغييرها، بينما الوجه يبقى ثابتاً ولا يمكن استبداله.
ويوضح أن الصور في كثير من الحالات لا تتم معالجتها بالكامل داخل هاتف المستخدم، وإنما تُرسل إلى خوادم الشركة، ما يفتح تساؤلات حول مدة الاحتفاظ بها، وكيفية استخدامها لاحقاً، والجهات التي قد تتمكن من الوصول إليها.
ويحذر من أن صور الوجوه العالية الوضوح قد تتحول، في حال وقعت في أيدي جهات غير موثوقة، إلى مادة يمكن استغلالها في إنتاج محتوى مزيف أو في عمليات الاحتيال وانتحال الهوية والابتزاز.
ويشدد الصبيح على ضرورة التفريق بين “الترند” بحد ذاته ومخاطر استخدام التطبيقات غير الموثوقة، مؤكداً أن المشاركة في “الترند” لا تعني تلقائياً التعرض للاختراق، لكن قدرة أي موجة واسعة الانتشار على جمع ملايين الصور خلال فترة قصيرة قد تجعلها فرصة ثمينة لجهات تسعى إلى بناء قواعد بيانات ضخمة.
كما يوضح أن المخاطر تزداد عندما تقترن الصورة بمعلومات شخصية أخرى، مثل الاسم ورقم الهاتف ومكان العمل أو السكن وما شابهها، إذ يمكن عندها أن تتحول الصورة من مجرد محتوى ترفيهي إلى جزء من ملف رقمي متكامل يسمح باستهداف صاحبه بدرجة أكبر من الدقة.
ويختصر الصبيح رسالته للمستخدمين بعبارة: “الرسالة ليست لا تشارك، إنما اعرف مع من تشارك”.
ويقدم في هذا السياق مجموعة من النصائح لتقليل مخاطر مشاركة الصور الشخصية مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أبرزها استخدام التطبيقات المعروفة والمتاحة عبر المتاجر الرسمية، وتجنب التطبيقات التي تظهر فجأة بالتزامن مع انتشار أي “ترند”، كما ينصح بقراءة بنود استخدام البيانات قبل رفع الصور، ولو بصورة سريعة، وعدم تحميل صور الأطفال على خدمات غير معروفة أو غير واضحة فيما يتعلق بسياسة الخصوصية.
ويشدد أيضاً على ضرورة عدم إرفاق الصور بمعلومات تعريفية إضافية، مثل مكان السكن أو جهة العمل أو اسم المدرسة، إضافة إلى حذف التطبيق بعد الانتهاء من استخدامه في حال عدم الحاجة إليه مجدداً، ومراجعة الصلاحيات التي مُنحت له.
أما العاملون في المجالات الحساسة، وفي مقدمتها الصحافة، فيدعوهم الصبيح إلى التفكير ملياً قبل نشر صور عالية الوضوح لوجوههم على تطبيقات غير معروفة.









