تترافق الارتدادات المتسارعة في أسواق الصرف خلال المراحل الانتقالية للاقتصادات المنهكة مع موجة واسعة من التساؤلات الشعبية والنخبوية حول مدى دقة التوقعات الرسمية أو التحليلية التي تُطرح بين الحين والآخر، وتنبع هذه التساؤلات من رغبة عامة في التمسك بأي بارقة استقرار نقدي، مهما كانت ضئيلة.
وفي هذا السياق، يعود الخبير الاقتصادي والمصرفي إبراهيم نافع قوشجي إلى توقعاته التي نشرتها “الوطن’ في الرابع عشر من نيسان الماضي، باعتبارها مدخلاً موضوعياً للإجابة عن كثير من علامات الاستفهام المتداولة، فالمفاصل الحرجة التي تمر فيها العملة الوطنية لا تُقرأ بالنيا،ت بل بلغة الأرقام الصارمة وموازين العرض والطلب الكلي.
قواعد الاقتصاد الصارمة.. وفخّ التكهن

وأشار قوشجي إلى أن بعض الآراء تتعامل مع السياسة النقدية وتقلبات الأسواق بوصفها مجرد تكهنات أو اجتهادات شخصية قد تصيب أو تخطئ، بينما الحقيقة العلمية تؤكد أن الاقتصاد علم دقيق يقوم على منظومة مترابطة من القواعد، فالمدخلات فيه تقود إلى مخرجات محددة وفق خطط وأهداف مسبقة، ما يجعل أي حركة في سعر الصرف نتيجة طبيعية لتفاعل عوامل هيكلية واضحة وليست وليدة المصادفة.
استشراف الواقع النقدي
تُظهر الوقائع الحالية أن القراءات التحليلية المبنية على أسس علمية تمتلك قدرة مرتفعة على استشراف مسار العملة، وأكد قوشجي أنه عندما توقع سابقاً وصول سعر صرف الليرة السورية إلى حدود 14,500 ليرة للدولار، لم يكن ذلك ضرباً من التخمين، بل نتيجة قراءة معمقة للمعطيات النقدية والإنتاجية التي تحكم المشهد.
وأضاف: اليوم، ومع ملامسة السعر الفعلي لحدود 14,300 ليرة (قديمة) للدولار، تتأكد صحة هذه القراءة ودقة الأدوات العلمية التي استندت إليها.
فخّ “السيولة الزراعية” ومخاطر الهبوط المقبل
وحذّر قوشجي من أن الضغوط الاقتصادية لم تتوقف بعد، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تحمل خطراً أكبر مرتبطاً ببدء موسم صرف قيم الحاصلات الزراعية، فمع ضخ كتلة مالية كبيرة في السوق من دون وجود غطاء إنتاجي وسلعي قادر على امتصاصها، ستتجه هذه السيولة حكماً نحو المضاربة على القطع الأجنبي، ما يزيد الضغط على سعر الصرف بشكل حاد.
وبناءً على هذه المعطيات، رأى الخبير الاقتصادي أن سعر الصرف قد يتجه إلى مستويات أدنى قد تصل إلى 18,000 ليرة للدولار، ما لم تُتخذ إجراءات سريعة لكبح هذا المسار.
طوق النجاة.. الالتزام بالمدارس العلمية
وأكد قوشجي أن إدارة السيولة وحماية القوة الشرائية للمواطن تخضعان لقواعد علمية راسخة، وأن لكل مدرسة اقتصادية أدواتها التي تنسجم مع طبيعة الخطة الحكومية لإنعاش الاقتصاد خلال فترة زمنية محددة.
وخلص قوشجي إلى أن الحل الحقيقي أمام صانع السياسة النقدية يكمن في الالتزام الصارم بالأدوات العلمية القادرة على ضبط المعروض النقدي وتثبيت سعر الصرف قبل انزلاقه إلى مستويات أعمق تزيد الفجوة بين الدخل والأسعار.








