يشكّل مسلسل “المقعد الأخير” عودة لافتة للدراما الاجتماعية ذات الحس الإنساني العميق، ويأتي محمّلاً بثنائية طال انتظارها: عودة الممثلين جهاد عبدو ويارا صبري إلى الدراما السورية بعد سنوات من الغياب، ليمنح العمل قيمة فنية مضافة ويضعه في دائرة الاهتمام منذ لحظة الإعلان عنه.
لا يقدم العمل حكاية تقليدية، بل يذهب نحو معالجة ذات بعد إنساني وفلسفي، ويشكّل حالة وجودية يعيش عبرها الأبطال لحظات مواجهة مع الذات، ومع الماضي والمصير والقرارات التي لا مهرب منها، ويطرح أسئلة حول العزلة والانتظار وما تبقى للإنسان عندما يجد نفسه في نهاية الطريق، أو على أعتاب تحوّل يفرض الحقيقة على الواجهة.
ينسج العمل خطوطه الدرامية حول قضايا تلامس واقع الجيل الجديد، بما فيها احترام المرأة وتقدير دورها في المجتمع، وتأثير “السوشيال ميديا” في تشكيل علاقة الطلاب ببعضهم البعض، وكيفية تقاطع هذه العلاقة مع الفروق الطبقية، إضافة إلى الصراع بين قيم الأسرة وضغط الواقع الحديث على المراهقين، هذه المحاور تُروى عبر بيئة مدرسية خاصة تجمع أبناء طبقات مختلفة، ما يجعل التوتر حاضراً في كل تفصيل.

يقدّم جهاد عبده شخصية أب مصاب بمرض الزهايمر، في دور محوري قائم على الصراع الداخلي والذاكرة المفقودة والأسئلة الوجودية المؤلمة، في أداء يعتمد على التفاصيل الدقيقة والانفعالات الصامتة، ويشكّل تحدياً تمثيلياً اختاره عبده بعناية، معتبراً إياه مساحة لتقديم تجربة مختلفة ومؤثرة.
وتعود يارا صبري إلى جمهورها عبر شخصية محورية تمنح العمل بعداً إضافياً من النضج الوجداني، لينسج حضورها الأنيق وأداؤها الهادئ خطاً درامياً يكمّل التوتر الإنساني الذي يحمله العمل.
ورغم القيمة الفنية والإنسانية للمسلسل، إلا أنه لم يأخذ مكانه الطبيعي على المنصات، خاصة أنه يقدّم دراما هادئة، عميقة، تحتاج إلى مشاهدة متأنية ومع ذلك، فإن ردود الفعل التي وصلت إلى صنّاعه تؤكد أنه من الأعمال التي تترك أثراً في المتفرج أكثر مما تتركه في ضجيج الإنترنت.
يذكر أن العمل المؤلف من 15 حلقة من تأليف لؤي النوري، وإخراج حسام سلامة، ويشارك في بطولته أيضاً كل من: رنا جمول، أسيمة يوسف، محمد خاوندي، وسيم الشبلي، ماسة الجمّال، قمر الطائي، سوناتا سكاف، لانا علوش، وآخرون.
الوطن- هلا شكنتنا








