الوطن – أسرة التحرير
تشهد سوريا في الآونة الأخيرة تحولاً لافتاً في مقاربة الدولة لملف الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الثورة، وسط تكثيف العمليات الأمنية التي تستهدف ملاحقة واعتقال شخصيات بارزة من رموز النظام البائد، بالتوازي مع إطلاق مسار قضائي يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً في إطار العدالة الانتقالية، وهذا التلازم بين العمل الأمني والإجراء القضائي لا يبدو مجرد تحرك ظرفي، بل يعكس توجهاً منهجياً يرمي إلى إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس قانونية، عنوانها المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.
ووفق مصادر متابعة، فإن تكثيف العمليات الأمنية ضد المتورطين بملفات انتهاكات ثقيلة يحمل دلالات تتجاوز بعدها التنفيذي المباشر، إذ يشير إلى وجود إرادة سياسية لإغلاق أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، فهذه الاعتقالات لا تُقرأ فقط بوصفها ملاحقة لأفراد، بل رسالة واضحة بأن المرحلة الحالية لم تعد تتسع لاستمرار شبكات النفوذ القديمة التي ارتبطت بالقمع والانتهاكات، وأن الدولة ماضية في تفكيك هذه البُنى تمهيداً لإعادة بناء مؤسساتها على أسس مختلفة.

وفي هذا السياق، تكتسب محاكمة شخصيات بارزة، وفي مقدمتها عاطف نجيب، أهمية رمزية وقانونية مضاعفة، فالرجل الذي ارتبط اسمه ببدايات الثورة في درعا، يمثل في الوعي العام أحد مفاتيح اللحظة التي تحولت فيها الاحتجاجات إلى مسار مفتوح على صراع طويل، وعليه، فإن استئناف محاكمته لا يعكس فقط إجراءً قضائياً تقنياً، بل يحمل بعداً معنوياً يتصل بإعادة الاعتبار للضحايا، ومحاولة ترميم فجوة الثقة التي نشأت بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
واللافت في هذا المسار هو الحرص على تقديم هذه المحاكمات ضمن إطار قانوني واضح، بما يعزز فكرة أن العدالة المنشودة ليست انتقاماً سياسياً بقدر ما هي استحقاق قانوني، فالتأكيد على المحاكمات العادلة، واستكمال التحقيقات وفق الأصول، يهدف إلى ترسيخ مبدأ سيادة القانون، وإظهار أن الدولة لا تكتفي بإدانة الماضي، بل تسعى إلى معالجته بأدوات مؤسساتية تضمن حقوق جميع الأطراف، بما في ذلك المتهمون أنفسهم.
كما أن هذا النهج يعزز من موقع الدولة داخلياً وخارجياً، إذ يشكل مؤشراً على انتقالها من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إعادة بناء الشرعية، فالعدالة الانتقالية، حين تُطبق بشكل متوازن، تصبح أداة لإعادة إنتاج الثقة، ليس فقط بين المواطن والدولة، بل أيضاً على مستوى المجتمع الدولي الذي يراقب مدى التزام المؤسسات السورية بالمعايير القانونية والحقوقية.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن ما يجري اليوم يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية على تحويل شعار العدالة إلى ممارسة فعلية، فنجاح هذا المسار لا يقاس بعدد الموقوفين أو حجم القضايا المفتوحة، بل بمدى نزاهة الإجراءات وشفافيتها، وبقدرتها على تحقيق إنصاف حقيقي للضحايا دون الانزلاق إلى منطق الانتقام، وبين الحسم الأمني والمسار القضائي، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، عنوانها أن الدماء التي سُفكت لن تُطوى دون حساب، وأن العدالة، وإن تأخرت، تبقى ممكنة حين تتوافر الإرادة.








