في اللحظة التي تمضي فيها الدولة السورية بثبات نحو إعادة بناء مؤسساتها واستعادة دورها الطبيعي في مختلف الجغرافيا الوطنية، تبدو بعض القوى المرتبطة بإرث الفوضى عاجزة عن التكيف مع التحولات الجديدة.
وفي هذا الصدد، لم تكن حادثة الاعتداء على القصر العدلي في الحسكة مجرد إشكال أمني عابر، بل جاءت لتكشف بوضوح حجم التناقض البنيوي داخل “قسد” نفسها، بين تيار بدأ يدرك أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى إلا داخل مؤسسات الدولة السورية، وتيار آخر لا يزال أسير أوهام الفصائلية والانفصال، ويعيش خارج سياق التحولات السياسية التي تشهدها البلاد.
وما جرى أخيراً، من اقتحام عناصر ما يسمى “الشبيبة الثورية” لمبنى القصر العدلي وتمزيق اللوحة الرسمية والاعتداء على رمز سيادي للدولة، لم يكن فعلاً احتجاجياً كما حاول البعض تصويره، بل كان رسالة سياسية واضحة من جناح متشدد يرفض أي مسار اندماجي، ويرى في عودة مؤسسات الدولة تهديداً مباشراً لمصالحه وشبكاته الميليشياوية العابرة للحدود.

في المقابل، فإن التصريحات الرسمية الصادرة عن الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني، وما أعلنه نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي عن استمرار مسار الدمج رغم العراقيل، تعكس وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الدولة السورية، يقابلها استعداد متزايد لدى شريحة وازنة داخل “قسد” للتعامل بواقعية مع متطلبات المرحلة الجديدة، وإنهاء حالة التنازع المؤسساتي التي أرهقت المنطقة وأبقت سكانها رهائن لسلطات الأمر الواقع.
هذا التباين داخل “قسد” لم يعد خافياً، فثمة من يدرك أن الدولة السورية اليوم لا تتعامل بعقلية الإقصاء، بل تتبنى مقاربة إصلاحية واضحة، تبدأ بإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية، وتمر بضمان الحقوق الثقافية والاجتماعية لكل المكونات الوطنية، بما فيها الاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية للكرد بوصفهم جزءاً أصيلاً من النسيج السوري، وصولاً إلى بناء عقد وطني جامع يطوي آثار سنوات الظلم التي مارسها النظام البائد بحق السوريين ككل.
لكن في الجهة المقابلة، تصر ميليشيا “الشبيبة الثورية”، المرتبطة عضوياً بأجندات حزب العمال الكردستاني الإرهابي العابر للحدود، على تخريب هذا المسار، وهي بذلك لا تدافع عن “حقوق كردية” كما تزعم، بل تستخدم هذه العناوين غطاء لإدامة مشروع ميليشياوي قائم على العزل المجتمعي والتعبئة الأيديولوجية، وتغذية الانقسام بين مكونات المنطقة، خدمة لحسابات خارجية لم تعد تنسجم مع الواقع السوري الجديد.
ولعل أخطر ما في سلوك هذه الميليشيات أنها تحاول مصادرة إرادة أبناء المنطقة أنفسهم، عبر فرض خطاب متشدد لا يعبر عن المزاج الشعبي الحقيقي في الحسكة والقامشلي وسائر الجزيرة السورية، حيث تتنامى القناعة بأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا عبر سلطة الدولة ومؤسساتها، لا عبر الكانتونات المسلحة ولا مشاريع الانفصال التي غذاها النظام البائد واستثمرت فيها قوى خارجية لسنوات.
وما كشفته أحداث الحسكة الأخيرة هو أن معركة الدولة اليوم لم تعد فقط مع بقايا الفوضى، بل مع عقلية سياسية ترفض الاعتراف بأن زمن الميليشيات يقترب من نهايته، أما الرهان السوري، فيبقى على وعي أبناء المنطقة، وعلى قدرة الدولة في المضي بحزم وحكمة معاً، لتثبيت سيادة القانون، واستكمال مشروع الاندماج الوطني الذي وحده كفيل بإغلاق صفحة الانقسام إلى الأبد.
الوطن- أسرة التحرير








