تشي جملة الأخبار الأخيرة بخصوص مضيق هرمز، بأن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن “مواكبة السفن” في المضيق، وردّ إيران الحازم عليها، في طريقها لإعادة التوتر بين البلدين إلى نقطة البداية، وكأن كل مسارات التهدئة السابقة لم تكن، فبين طرح أميركي يعيد فرض دور أمني مباشر، وإصرار إيراني على احتكار إدارة المضيق، يتجدد الاشتباك السياسي عند الخطوط الحمراء القديمة نفسها.
تصعيد الكلام لا يعكس تحولا جديداً بقدر ما يكشف هشاشة التفاهمات، إذ سرعان ما انهارت أمام اختبار التصريحات، والنتيجة ماذا؟ عودة سريعة إلى معادلة الشد والجذب، حيث يطغى استعراض القوة على أي تنسيق محتمل، ويظل المضيق رهينة حسابات النفوذ أكثر من كونه ممراً آمناً للتجارة الدولية.
ويشكل ما يجري حول “هرمز” اليوم عودة إلى لعبة الحافة التي لم تغب فعلياً عن المنطقة، لكنها تعود هذه المرة بخطاب أكثر حدة وتناقضاً، إذ لا يمكن قراءة تصريحات ترامب بشأن مواكبة السفن بشكل منفرد، وبمعزل عن سياق أوسع، وهو محاولة إعادة فرض دور أمني أميركي مباشر في واحد من أهم الشرايين البحرية في العالم، مقابل إصرار إيراني متجدد على احتكار إدارة أمنه.

وتنطلق تصريحات ترامب هذه المرة في ظاهرها كخدمة للمجتمع الدولي، متحدثاً عن طلب دول من مختلف أنحاء العالم بمرافقة سفنها، لكن يبقى وراء الأكمة ما وراءها، ليحمل الطرح رسالة سياسية مزدوجة، أولاً، إعادة تثبيت الولايات المتحدة كضامن لأمن الطاقة العالمي؛ وثانياً، تقويض أي ترتيبات إقليمية قد تمنح إيران دوراً منفرداً في هذا الممر الحيوي.
وجاء قلق إيران الجلي من تصريحات ترامب عبر ردها السريع والحاسم، سواء من المؤسسة العسكرية أم من شخصيات سياسية مثل إبراهيم عزيزي رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى، ردود اعتبرت أي تدخل أميركي يشكل انتهاكاً لوقف إطلاق النار، تصعيداً يعكس خوف إيران من تحويل المضيق إلى ساحة نفوذ دولي مفتوح، بدلاً من كونه ورقة سيادية تستخدمها طهران في توازناتها الإقليمية.
ولا تكمن المشكلة في تضارب التصريحات فقط، بل في طبيعة الرسائل المتبادلة، فحين تعلن واشنطن نيتها مرافقة السفن، وترد طهران بالتحذير من الاقتراب، فإننا أمام معادلة خطرة، وهي احتكاك محتمل في مساحة جغرافية ضيقة، حيث إن أي خطأ تكتيكي قد يتحول إلى مواجهة أوسع، وهذا النوع من التصعيد لا يحتاج إلى قرار حرب بقدر ما يحتاج إلى سوء تقدير.
والأخطر من ذلك أن الطرفين يتحدثان بلغة السيادة والأمن، لكن من دون وجود آلية واضحة لتجنب التصادم، فإيران ترى أن التنسيق يجب أن يتم عبرها حصراً، بينما تطرح الولايات المتحدة نفسها حامياً دولياً للملاحة، وبين هذين التصورين، تضيع قواعد الاشتباك.
ما بين سطور التصريحات، وفي تفاصيل الصورة الدقيقة، فإن ما نشهده ليس مجرد حرب تصريحات، بل اختبار جديد لحدود النفوذ في الخليج، وإذا استمر الخطاب على هذا النحو، فإن مضيق هرمز قد يتحول من ورقة ضغط سياسية إلى نقطة اشتعال فعلية، ليس لأن أحد الأطراف يريد الحرب، بل لأن كلاً منهما يعتقد أنه قادر على فرض قواعد اللعبة بمفرده.
الوطن – أسرة التحرير








