يتجه التصعيد الأميركي- الإيراني نحو مرحلة أكثر تعقيداً، مع انتقال المواجهة من حافة الاشتباك المحدود إلى استعراض قوة واسع النطاق في واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم، فإطلاق واشنطن عملية “مشروع الحرية” لم يعد مجرد تحرك تكتيكي لضمان الملاحة، بل بات عنواناً لمعادلة ردع جديدة تُرسم في مياه مضيق “هرمز”.
تصريحات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، اليوم الثلاثاء، تعكس توجهاً مزدوجاً، إن صح التعبير، يجمع بين التهدئة المشروطة والتهديد الصريح، فالرجل يؤكد أن بلاده “لا تسعى إلى مواجهة”، لكنه يربط ذلك بخط أحمر واضح مفاده أن “أي استهداف للملاحة سيقابل برد مدمر”، وهذه اللغة ليست جديدة في الخطاب الأميركي، لكنها تأتي، هذه المرة، مقرونة بتحركات ميدانية كثيفة، وهو ما يمنحها ثقلاً عملياً يتجاوز البعد السياسي.
أما رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، فيقدم، وفق مراقبين، قراءة أكثر “براغماتية”، إذ يشير إلى أن مستوى الاشتباك الحالي لم يبلغ بعد عتبة الحرب الشاملة، مع التأكيد في الوقت ذاته على جاهزية كاملة للانتقال إلى عمليات واسعة فور صدور القرار السياسي، هذا التوازن يعكس، حسب مصادر متابعة، إدراكاً أميركياً بأن التصعيد غير المنضبط قد يفتح جبهات إقليمية متعددة يصعب احتواؤها.

واللافت تزامن هذه التصريحات مع وصول حاملة الطائرات “جورج دبليو إتش بوش” إلى منطقة العمليات، وهو ما رأت فيه المصادر “نقطة تحول نوعية في ميزان الانتشار العسكري”، فالحاملة، التي على متنها أكثر من 60 طائرة، تدخل ضمن منظومة حصار بحري متكامل يهدف إلى خنق القدرة الإيرانية على التحكم بالمضيق، في وقت تشير فيه التقارير إلى أن واشنطن أعادت توجيه عشرات السفن التجارية وسط استمرار إغلاق الممر الحيوي، وهكذا فإن هذا الانتشار لا يهدف فقط إلى حماية الملاحة، بل إلى فرض واقع ميداني يحد من أوراق الضغط الإيرانية.
في المقابل، تتحرك طهران على خط موازٍ، حيث يتوجه وزير خارجيتها عباس عراقجي إلى بكين، في زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية، فالتوقيت، قبيل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، يشير إلى محاولة إيرانية لاستباق أي تفاهمات محتملة عبر تعزيز التنسيق مع الصين، الشريك الاقتصادي الأكبر لطهران.
وتدرك واشنطن أهمية هذا المسار، إذ تضغط على بكين للعب دور أكثر فاعلية في إقناع إيران بفتح المضيق، في ظل إدراك أن أي حل مستدام للأزمة لا يمكن أن يتم من دون انخراط صيني مباشر، ومن هنا، تبدو بكين لاعباً مرجحاً بين خيارين هما التهدئة عبر الوساطة أو استثمار الأزمة لتعزيز موقعها التفاوضي مع الولايات المتحدة.
في خضم هذه التطورات، يكشف التحرك الأميركي لتوزيع مشروع قرار في مجلس الأمن، بالتنسيق مع دول الخليج العربي، عن محاولة لإضفاء شرعية دولية على خطواتها، ولا سيما مع الإشارة إلى إمكانية اللجوء للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هذا المسار، إن تم تفعيله، قد ينقل الأزمة من إطار الاشتباك الإقليمي إلى مظلة دولية تتيح إجراءات أكثر صرامة.
ختاما، يبقى ملف مضيق “هرمز” عند تقاطع مسارين، الأول عسكري يتجه نحو تصعيد “محسوب لكنه محفوف بالمخاطر” وفق المصادر المتابعة، والثاني دبلوماسي تحاول فيها القوى الكبرى إعادة ضبط التوازن، وبين هذين المسارين، يأتي السؤال، هل ما يجري هو مجرد ضغط تفاوضي مكثف، أم تمهيد لمواجهة أوسع قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة؟.
الوطن – أسرة التحرير








