لم يحتج الأمر إلا إلى شهر واحد من تأخر صرف مستحقات القمح حتى ولدت سوق سوداء جديدة في المحافظات المنتجة للحبوب، فبينما سلم آلاف الفلاحين محاصيلهم إلى مراكز المؤسسة العامة للحبوب بقيت مستحقاتهم معلقة من دون أن تصل إلى جيوبهم ولو ليرة واحدة، الأمر الذي فتح الباب أمام تجار وفروا السيولة النقدية واستغلوا حاجة الفلاحين إلى المال ليشتروا المحصول بأقل من سعره الرسمي بنحو مليون ليرة للطن،
المفارقة أن المشكلة لم تكن في سعر شراء الدولة للقمح وإنما في تأخر دفع قيمته وهو ما نقل جزءاً من العائد الذي كان يفترض أن يذهب إلى المنتج مباشرة إلى جيوب الوسطاء و السماسرة الذين وجدوا في أزمة السيولة فرصة لتحقيق أرباح سريعة.
بيع اضطراري لا اختيار
معلومات ميدانية حصلت عليها “الوطن” تؤكد انتشار عمليات شراء نقدية للقمح في المحافظات المنتجة بأسعار تدور حول/4.3/ ملايين ليرة للطن أي أقل من السعر الرسمي بنحو (مليون ليرة) أو ما يقارب 20 بالمئة من قيمة الطن.
ولم يكن الفلاح ليتجه لهذا الخيار بأن يبيع بسعر فيه خسارة مليون ليرة لكل طن لأنه يريد أو يرغب في الخسارة وإنما لأنه يحتاج إلى السيولة لسداد ديونه وتسديد أجور الحصاد والنقل وتأمين نفقات أسرته والاستعداد للموسم الزراعي المقبل بينما بقيت مستحقاته مجمدة منذ تسليم محصوله لمركز الاستلام.
الوطن تكشف تحريك الأموال
وحسب معلومات خاصة حصلت عليها “الوطن” من مصدر رسمي فقد تم رصد نحو /10/ آلاف مليار ليرة لتمويل شراء محصول القمح للموسم الحالي، وأكد المصدر أنه سيتم تحريك 3500 مليار ليرة بما يعادل 35 بالمئة من إجمالي المبلغ لتدخل إلى حساب المصرف الزراعي تمهيداً لإطلاق عمليات الصرف بعد استكمال الإجراءات الإدارية.
كما كشف أن المصرف الزراعي سيصدر خلال الأيام المقبلة التعليمات التنفيذية الخاصة بآلية الصرف حيث سيتم دفع مستحقات الفلاحين نقداً متوقعاً أن يكون الصرف نقداً حتى سقف 100 مليون ليرة بينما تحول أي مبالغ تزيد عن ذلك إلى الحسابات المصرفية الخاصة بأصحابها، ويعني ذلك عملياً أن قيمة نحو عشرين طناً فقط ستصرف نقداً بينما تودع قيمة الكميات الأكبر في الحساب المصرفي.
بداية الصرف مطلع تموز
وفي السياق ذاته كشف مصدر آخر في المؤسسة العامة للحبوب لـ “لوطن” أن فروع المؤسسة تعمل على إعداد قوائم الفلاحين الذين سلموا محاصيلهم وإرسالها إلى فروع المصرف الزراعي خلال اليومين المقبلين تمهيداً لبدء صرف المستحقات مع بداية شهر تموز.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن أزمة السيولة التي استمرت طوال الأسابيع الماضية تتجه إلى الانفراج إلا أن الخسائر التي تكبدها كثير من الفلاحين نتيجة البيع الاضطراري أصبحت واقعاً لا يمكن تعويضه.
أكثر من مليون طن
وتجاوزت كميات القمح التي استلمتها المؤسسة العامة للحبوب حتى الثامن والعشرين من حزيران مليون طن إذ بلغت مليوناً وسبعة وثمانين ألفاً وثلاثمئة وعشرة أطنان عبر نحو تسعة وخمسين ألف عملية تسليم في واحد وثمانين مركزاً موزعة على أحد عشر فرعاً.
واستحوذت الحسكة على أكثر من ثلث الكميات المستلمة تلتها الرقة ثم حلب لتؤكد المحافظات الشرقية والشمالية الشرقية مكانتها بوصفها الخزان الرئيسي للقمح السوري.
تأخير دفع الثمن خلق ثمناً آخر
تكشف هذه الوقائع أن كلفة تأخر صرف مستحقات القمح لا تقاس بعدد الأيام فقط بل بحجم الأموال التي انتقلت من جيب الفلاح إلى جيب التاجر، فعندما ينتظر المنتج شهراً كاملاً للحصول على ثمن محصوله تصبح السوق السوداء نتيجة طبيعية ويصبح التأخير نفسه أداة لإعادة توزيع الأرباح بعيداً عن أصحابها الحقيقيين.
ومع بدء صرف المستحقات خلال الأيام المقبلة يبقى الدرس الأهم أن سرعة الدفع ليست إجراءً مالياً فحسب بل وسيلة لحماية الفلاح ومنع نشوء أسواق موازية تستغل حاجته وتلتهم جزءاً من قيمة محصوله الإستراتيجي.





