لن يتمكن شعار “هربجي” من بناء دولة أو كيان أو …إلخ. ولن تستطيع أغنية “لبت لبت” إنهاء شعب والفتك به، لا بريء في هذه الحرب، ولا رابح ولا خاسر وحيداً، الكلُّ سيخسر، والكلُّ سيندم، وستأتي الأجيال اللاحقة لتتمتع بثمن دماء من سبقهم، وليس أسوأ من السلاح والحرب، غير “الفسابكة” وأبطال السوشيال ميديا، وخاصة من يُمارس كُلّ أشكال الضغط والابتزاز والترهيب، وهو ظانٌّ أنه يُقدّم خدمة جليلة لمُشغّليه، من دون أن يعرف أنه ليس سوى بوقٍ سيُباع في أول ترتيب أو توافق على مستقبل البلاد، وسيذهب ضحية لما اقترف من تجييش وتحريض.
حكايتنا، عزيزي القارئ، لم تعد مجرد خبر يتصدر نشرة موقع أو شاشة ما، وهي ليست خريطة ستتبدل فيها خطوط السيطرة، حكايتنا باختصار شديد هي: قصة الأم التي جفّ دمعها بانتظار أبنائها الغائبين الذين غيّبهم الغبار، وحكاية الأب الذي شاخ قبل أوانه في معرض مساعيه لترميم سقفٍ لم يعد يحمي أبداً، وحكاية إخوة مكثوا ولا زالوا ينتظرون رؤية شقيقهم، من قاسيون الأشم، حيث يرصد حزب الياسمين، إلى مزار النبي هورو في عفرين الذي يسعى لحماية كورده، وصولاً لكوباني التي كسرت عين داعش، وانتهاء بحضارات تل حلف وواشوكاني و”كري موزان” و”عين ديوار”. ومن نهر بردى إلى جريان الخابور ودجلة، لا صوت سوى للأنين، والحزن والخوف، صوتٌ يسعى للقول: أوقفوا إطلاق النار، مدّدوا مهلة الحوار؛ فما عاد في الأجساد متسعٌ لطعنة جديدة.
اللغات الكثيرة تجتمع تحت مظلة لغة الألم،

حين تسقط القذيفة لا تسأل عن الــ “لبت لبت” ولا عن الـــ”هربجي”. هي تتجاوز القوميات والأديان، ولا تُفرّق بين بكاء الطفل بالكوردية أو العربية، في أحياء وأزقّة قامشلو المليئة برائحة الخبز والتنور، في القرى العربية التي أغدق عليها نظام الأسد التخلّف والفقد، رغم كل شيء، صار دمنا واحداً.
حين تسقط القذيفة، لا تسأل عن لغة البيت الذي سيُهدّم، ولا عن ديانة الطفل الذي سيرتعد خوفاً، في أحياء حلب القديمة، وفي أزقة القامشلي المليئة برائحة الخبز والتنور، وحّدنا الوجع حتى صار دمنا واحداً.
منذ الأمس تُغنّي جارتي الكوردية لابنها أغنية “لوري لوري” على أمل أن ينام طلفها، وجارتي الأخرى العربية تهمس “يارب” في صلاتها، كلتاهما تُحدّقان في السماء ذاتها خائفين من غيمة لا تمطر ماءً، بل تمطر موتاً ليس إلا، وكلتاهما تقولان: لم يعد في هذه الأرض متسعٌ للدماء والقتل والشهداءـ وهما اللتان تتحسران على رؤية أبنائهما مُجدّداً في غربة المنافي، لهذا أقول: إن التمديد لوقف إطلاق النار، ليس مجرد “اتفاق سياسي” أو “مناورة دبلوماسية”، بل هو شهيق طويل لرئة مخنوقة، بل فرصة لنمسح جميعاً الغبار عن وجوه أطفالنا، لنخبرهم أن الليل سينتهي، وأن الصبح سيأتي من دون دويّ الانفجارات، وزحمة الموتى.
نداء القلوب للقلوب
سوريا، فسيفساؤنا كُلنا، لا تكتمل إلا بكل ألوانها، تنزف اليوم بصمت مرير، وتقول للجميع: إن الوطني الحقيقي هو من يرى في جاره السوري – مهما كان انتماؤه – شريكاً في الجرح وشريكاً في الخلاص، تقول هذه البلاد لأبنائها: إن إيقاف لغة الرصاص هو الباب الوحيد لتعود لغة العقل، ليعود الفلاح إلى حقله في ريف إدلب وريف الحسكة، ليعود الطالب إلى مدرسته من دون أن يتلفت وراءه خوفاً.
رُبما سيعتبر البعض ما كتبناه مجرد عواطف، أو أشياء مُستحيلة، لكن ما كتبناه ليس سوى حقنا في “الحياة العادية”، وأن تمشيَ الأمّ في شوارع قامشلو والشدادي والحسكة ودمشق من دون أن تحشى فقدان فلذة كبدها.
وهي دعوة لجميع السوريين أن نجتمع على مائدة واحدة ونشترط ألا ينقصها أحد، كل ثانية تمرُّ والبنادق صامتة، هي دليل على حياة تُنقذ وأحلام تُرمّم، ودمعة تُكفكف.
فهل يُمكن للكتابة أن تكون صرخة من القلوب، للواقفين خلف الزناد، والجالسين خلف الطاولات، كي ينظروا إلى عيون العجائز في المخيمات، وأيادي الأطفال والنساء التي تشقّقت من البرد والانتظار، هل يُمكننا القول: جرّبنا كل أنواع الموت، فهل يُمكن أن نُجرب مرة واحدة طعم الحياة المستورة؟
التمديد لوقف إطلاق النار هي صرخة الياسمين السوري، ونداء السنابل في الجزيرة، هي الخطوة الأهم والأولى لنقول للعالم: نحن هنا، وما زلنا نستحق الحياة.






