لم تكن التحركات التي شهدتها بعض المناطق السورية خلال الأيام القليلة الماضية، سواء ما نُسب إلى تنظيم “داعش” أم ما ارتبط ببقايا فلول النظام البائد في ريفي حمص واللاذقية، أحداثاً معزولةً عن سياقها السياسي والأمني العام، فالتزامن الزمني بين هذه التحركات وبين التطورات الجارية على أكثر من ملف داخلي، يطرح جملةً من التساؤلات المشروعة حول طبيعة الرسائل المراد توجيهها، والجهات المستفيدة من محاولة إعادة خلط الأوراق في هذه المرحلة الحساسة.
فسوريا اليوم تقف أمام منعطفٍ دقيقٍ، يتصل بمعالجة ملف قوات سوريا الديمقراطية وما يرافقه من حديث عن تفاهمات وخطوات إيجابية في ملف السويداء، بالتوازي مع انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية تدريجياً من قواعدها في سوريا، وهو انسحاب يرتبط في أحد أبعاده، بقدرة الدولة السورية على بسط الأمن والاستقرار وتعزيز حضور مؤسساتها.
في مثل هذا المناخ، تبدو أي محاولةٍ لإعادة تنشيط خلايا إرهابية أو تحريك فلول متوارية أقرب إلى فعل مقصود يهدف إلى التشويش على مسار التعافي، لا إلى حدث عابر فرضته ظروف ميدانية طارئة.

وتشير القراءة السياسية لهذه الوقائع إلى أن الغاية الأساس تتمثل في ضرب صورة الاستقرار المتشكل تدريجياً، وإيصال انطباع بأن البيئة السورية ما زالت رخوة وقابلة للاهتزاز، فالتنظيمات الإرهابية وفي مقدمها “داعش”، لا تعمل في الفراغ، بل تتحرك عادة عند نقاط التحول، مستثمرةً أي انتقال سياسي أو أمني لمحاولة إثبات الوجود أو إعادة التموضع، وكذلك الحال بالنسبة إلى الفلول، التي تراهن على إرباك المشهد كلما لاحت بوادر تسوية أو انفتاح داخلي.
غير أن التجربة، أثبتت أن الدولة السورية تمتلك من الخبرة الأمنية والعسكرية ما يمكنها من تفكيك الشبكات الإرهابية وملاحقة خلاياها النائمة، بالتوازي مع معالجة البيئات الحاضنة عبر مسارات سياسية وتنموية متكاملة، وقد أظهرت المؤسسات المعنية قدرة واضحة على احتواء التحديات المتكررة، سواء في مواجهة “داعش” أم في التعامل مع الفلول، عبر عملياتٍ نوعية واستباقية حدت من قدرة تلك المجموعات على التحرك بحرية أو التحول إلى تهديد واسع النطاق.
الوطن – أسرة التحرير








