المزيد

‫آخر الأخبار:‬

ترشيد الإنفاق.. أين تُهدر الأموال؟

‫شارك على:‬
20

في ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة، لم يعد ترشيد الإنفاق الحكومي خياراً إدارياً يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة لضمان توجيه المال العام إلى المكان الأكثر حاجة وتأثيراً، وهذا تحديداً ما دفع الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، بناءً على مقترح من وزارة المالية، إلى توجيه الجهات العامة لخفض النفقات غير الضرورية وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية، مع التأكيد على عدم المساس بالرواتب والأجور والخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والصيانة الضرورية.

وتزداد أهمية هذه الخطوة عند النظر إلى أرقام التنفيذ المالي للنصف الأول من عام 2026، إذ بلغت الإيرادات نحو 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق بلغ نحو 3.7 مليارات دولار، أي بعجز يقارب مليار دولار خلال ستة أشهر فقط، في وقت أعلن فيه وزير المالية يوم أمس أن العجز وصل إلى 1.8 مليار دولار قبل نهاية الربع الثالث، علماً أن الموازنة السنوية قدرت الإنفاق بنحو 10.5 مليارات دولار مقابل إيرادات متوقعة بنحو 8.7 مليارات دولار.

الترشيد لا يعني ببساطة أن تنفق الدولة أقل، لأن خفض الإنفاق بصورة عشوائية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية إذا طال قطاعات ضرورية أو مشاريع قادرة على زيادة الإنتاج وتحسين الخدمات، فالمطلوب هو أن تتحول عملية الترشيد من قرار لخفض المصروفات إلى سياسة لرفع كفاءة كل ليرة تنفقها الدولة.

وهنا تبدأ المساحة التي يمكن فيها تحقيق وفر حقيقي من دون تحميل المواطن تكلفة إضافية فهناك نفقات تشغيلية وإدارية يمكن ضبطها بصورة أكبر، من المشتريات المكتبية واللوازم إلى استهلاك الوقود والمحروقات للسيارات الحكومية والكهرباء والمياه، فضلاً عن ضبط الإنفاق على المؤتمرات واللقاءات والفعاليات التي قد تتكرر بتكاليف كبيرة، بينما يمكن في كثير من الحالات تنظيمها بتكلفة أقل أو الاستفادة من الوسائل الرقمية، مع التأكيد على أن المطلوب ليس إلغاء الاجتماعات والمؤتمرات الضرورية، وإنما إخضاع تكاليفها لمعيار الحاجة والعائد والنتيجة التي تحققها بعيداً عن مظاهر الترف والمراسم المكلفة.

من هنا يتضح أن الأهم أن يصبح لكل بند إنفاق سقف واضح ومبرر، وأن تتم مقارنة ما تنفقه كل جهة بما تحققه من نتائج، مع رقابة فعلية على التجاوزات، فالوفورات الصغيرة في كل مؤسسة قد تتحول إلى مبالغ كبيرة على مستوى الدولة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والاستيراد.

أما في الإنفاق الاستثماري، فالحل ليس إلغاء المشاريع، وإنما إعادة ترتيبها وفق أثرها الاقتصادي والخدمي، فالمشروع الذي يزيد إنتاج الكهرباء أو يخفض تكلفتها، أو يحسن شبكات المياه والنقل، أو يزيل اختناقات أمام الإنتاج والاستثمار، يجب أن تكون له أولوية على مشروع يمكن تأجيله من دون تأثير كبير في الخدمة أو النشاط الاقتصادي وهذا هو جوهر الترشيد الحقيقي: نقل المال من الإنفاق الأقل أولوية إلى الإنفاق الأكثر إنتاجية.

بالمقابل لا يمكن معالجة العجز بالترشيد وحده فرفع كفاءة التحصيل الضريبي والجمركي، وتوسيع النشاط الاقتصادي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وزيادة الإيرادات المستدامة، كلها عناصر ضرورية بالتوازي مع ضبط المصروفات، وقد بدأت وزارة المالية بالفعل إعداد موازنة 2027 مع التركيز على كفاءة الإنفاق والرقمنة.

ختاماً الترشيد الناجح لا يعني التقشف على المواطن أو تجميد الإنفاق، بل يعني إدارة أكثر كفاءة للمال العام، تبدأ بحماية الرواتب والخدمات الأساسية، وتمتد إلى ضبط النفقات التشغيلية والإدارية، ومراجعة تكلفة المؤتمرات واللقاءات والمشتريات الحكومية، وإعادة ترتيب المشاريع الاستثمارية وفق أثرها الاقتصادي والخدمي.

فالمطلوب ليس أن تنفق الدولة أقل فحسب، وإنما أن تحصل على نتائج أكبر من كل ليرة تنفقها، وأن يتحول الوفر المتحقق من النفقات الأقل أولوية إلى خدمات أفضل وإنتاج أعلى وفرص اقتصادية أوسع.

عندها يصبح السؤال الأهم ليس: كم أنفقت الدولة؟ بل: أين ذهبت هذه الأموال، وماذا عاد منها على المواطن والاقتصاد؟