المزيد

‫آخر الأخبار:‬

ترشيد الإنفاق.. هل يبدأ الإصلاح من الكهرباء والمؤسسات العامة؟

‫شارك على:‬
20

لا تتساوى جميع بنود الإنفاق العام في قدرتها على تحقيق الوفر، فبينما تبدو بعض النفقات الإدارية واضحة وقابلة للضبط، توجد بنود أكبر أثراً يمكن أن يؤدي تحسين كفاءتها إلى توفير مالي واقتصادي أكثر استدامة، وفي مقدمتها الهدر في قطاع الكهرباء وإدارة المؤسسات والشركات العامة.

الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أوضح لـ”الوطن” أن الوفر الحقيقي في عملية ترشيد الإنفاق لن يأتي أساساً من السفر والسيارات الحكومية، وإنما من طريقة شراء الدولة لاحتياجاتها، ومن الهدر في قطاع الكهرباء، ومن المؤسسات العامة التي تستهلك موارد أكثر مما تنتج، معتبراً أن هذه البنود كبيرة بما يكفي لتغيير الأرقام، ويمكن إصلاحها من دون أن يشعر المواطن بتراجع في الخدمة.

هدر الكهرباء.. تكلفة تتحملها الدولة والمواطن

ويشير عبد الكريم إلى ضرورة التعامل مع هدر الطاقة بحذر، موضحاً أن خفض الهدر يختلف عن خفض الدعم، وأن رفع السعر على المواطن ليس زيادة في الكفاءة، وإنما نقل للتكلفة من الخزينة إلى جيب الأسرة.

وتشير تقديرات سابقة، بحسب عبد الكريم، إلى فاقد فني وتجاري يتجاوز 30 إلى 35 بالمئة من الكهرباء المنتجة بسبب الهدر والسرقات وضعف الاستثمار في الشبكات.

ويشرح أن الفاقد الفني هو الكهرباء التي تضيع في الشبكات القديمة قبل أن تصل إلى المستهلك، بينما يتمثل الفاقد التجاري في الكهرباء التي تُستهلك ولا تُدفع قيمتها بسبب التعديات أو ضعف التحصيل.

ومعنى هذه النسبة، وفق عبد الكريم، أن الدولة تشتري الوقود وتشغل المحطات لإنتاج ثلث كهرباء، لا يعود عليها بأي إيراد، مشيراً إلى أن كل خمس نقاط مئوية تُستعاد من هذا الفاقد تعادل كهرباء إضافية من دون ليتر وقود إضافي.

خفض الهدر قبل تحميل المواطن تكلفة إضافية، ولا يقتصر مجال تحسين الكفاءة، بحسب عبد الكريم، على معالجة الفاقد الفني والتجاري، وإنما يشمل أيضاً تحسين كفاءة المحطات، وشراء الوقود بعقود تنافسية، وخفض تكلفة نقله وتخزينه ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل توقيت إجراءات الترشيد، إذ جاءت بعد نحو أسبوعين من رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب وصلت إلى 40 بالمئة لبعض المواد.

ومن هنا يطرح عبد الكريم سؤالاً يتعلق بكفاءة الإنفاق العام: كم تخسر الدولة بسبب عدم الكفاءة قبل أن تطلب من المواطن دفع المزيد؟

فخفض الهدر في قطاع الكهرباء لا يعني بالضرورة خفض مستوى الخدمة، بل يمكن أن يؤدي، في حال تحسين الشبكات والتحصيل وكفاءة الإنتاج، إلى زيادة كمية الكهرباء المتاحة بالموارد نفسها، وهو ما يجعل الوفر هنا مختلفاً عن مجرد تقليص بند من بنود الإنفاق.

بين الخدمة والدعم

البند الآخر الذي يضعه عبد الكريم ضمن المجالات المهمة للترشيد يتعلق بالمؤسسات والشركات العامة، لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين أنواع هذه المؤسسات، فهناك مؤسسة تقدم خدمة عامة لا يمكن تسعيرها تجارياً وتستحق الدعم، مقابل مؤسسة تخسر بشكل مستمر بسبب سوء الإدارة أو العمالة الزائدة أو ضعف التحصيل أو التسعير غير الكفؤ.

وبالتالي، يرى عبد الكريم أن الحل لا يتمثل في الإغلاق الشامل، وإنما في إعادة الهيكلة، وإغلاق الأنشطة غير الضرورية داخل المؤسسة، ورفع التحصيل، والشراكة مع القطاع الخاص، حيث يكون ذلك أجدى.

ويحذر عبد الكريم من التعامل مع دعم المؤسسات العامة باعتباره إنفاقاً يمكن إلغاؤه تلقائياً لتحقيق وفر في الموازنة، موضحاً أن خفض الدعم عن هذه المؤسسات لا يحقق وفراً صافياً دائماً، مستنداً في ذلك إلى أن عوائد استثمارات الدولة بلغت نحو 763 مليون دولار في النصف الأول من العام، ما يعني أن جزءاً من القطاع العام يرفد الخزينة.

وبالتالي، فإن قطع التمويل عن مؤسسة منتجة بشكل عشوائي قد يؤدي إلى خفض إيراداتها أكثر مما يوفر من نفقاتها، وهو ما يجعل تقييم المؤسسة وفق نتائجها وإنتاجيتها أكثر أهمية من النظر إلى حجم الدعم الذي تحصل عليه فقط.

ويخلص عبد الكريم إلى أن معالجة الهدر في الكهرباء وإصلاح المؤسسات العامة يمثلان جزءاً أساسياً من مفهوم ترشيد الإنفاق، لأن الهدف لا ينبغي أن يكون تقليص الإنفاق بمعزل عن نتائجه، وإنما تحسين العلاقة بين الموارد التي تنفقها الدولة وما تحصل عليه من إنتاج وخدمات وإيرادات.

فالترشيد الحقيقي في هذه الحالة لا يعني أن تنفق الدولة أقل على الكهرباء أو المؤسسات العامة لمجرد خفض الرقم في الموازنة، وإنما أن تحصل على كهرباء وخدمات وإنتاج أكبر من الموارد نفسها، وأن تتحول الأموال التي كانت تذهب إلى الهدر أو ضعف الكفاءة إلى إنفاق أكثر فاعلية واستدامة.