المزيد

‫آخر الأخبار:‬

تسع جلسات تفتح أولى صفحات العدالة الانتقالية.. الإعدام لعاطف نجيب وبشار الأسد وفارين آخرين

‫شارك على:‬
20

قضت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق المتخصّصة في العدالة الانتقالية، اليوم الثلاثاء 11 آب الجاري، بإعدام المتهم عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا، بعد إدانته بجرائم القتل العمد والتعذيب المفضي إلى الموت والاعتقال التعسّفي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري إبان بدايات الثورة السورية عام 2011.

وجاء الحكم في ختام مسار قضائي استمر منذ نيسان الماضي، ومحاكمة علنية تضمّنت تسع جلسات لسماع الشهود ومرافعات النيابة والادعاء والدفاع، وصولاً إلى جلسة النطق بالحكم، وشكّلت بذلك أول محاكمة لأحد رموز النظام البائد أمام القضاء السوري بعد سقوطه.

القبض على “مجرم درعا”

وبدأ مسار العدالة القضائية في 31 كانون الثاني/ يناير 2025، حين أعلن مدير مديرية الأمن العام في محافظة اللاذقية المقدّم مصطفى كنيفاتي، في عملية نوعية بالتعاون مع القوى العسكرية، إلقاء القبض على العميد عاطف نجيب، الذي شغل سابقاً منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، وهو من أبرز المتورطين بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري.

ونجيب، وهو ابن خالة المجرم بشار الأسد، متهم بالمسؤولية عن حملات القمع والاعتقال التي شهدتها المحافظة خلال بدايات الثورة السورية عام 2011، ومن بينها قضية اعتقال أطفال درعا، وهي الشرارة التي فجّرت الاحتجاجات في المحافظة، إضافةً إلى المشاركة في قمع الاحتجاجات، وأحداث المسجد العمري، مع القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي.

وكان نجيب قد أُدرج على قائمة العقوبات الأميركية في 29 نيسان 2011، وعلى قائمة العقوبات الأوروبية في 9 أيار 2011، لتورّطه في انتهاكات بحق المدنيين.

وبعد اعتقاله، أُحيل نجيب إلى الجهات القضائية المعنية لتبدأ إجراءات محاكمته عن الجرائم المنسوبة إليه.

أولى جلسات المحاكمة.. مثولٌ تاريخيٌّ أمام القضاء

في 26 نيسان 2026، بدأت أولى جلسات المحاكمة العلنية أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بدمشق، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، وذوي عدد من الضحايا من محافظة درعا، ومحامين عرب ودوليين وممثّلين عن وسائل إعلام ومنظّمات حقوقية، وسط إجراءات أمنية مشدّدة.

وتضمّنت الجلسة التثبّت من هوية نجيب الموقوف، والمناداة على المتهمين الفارين من وجه العدالة، ومن بينهم بشار الأسد وماهر الأسد وفهد جاسم الفريج وآخرون، إضافةً إلى المناداة على المدّعين الشخصيين من ذوي الضحايا.

وأكدت المحكمة إمكانية اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الشهود عند الاقتضاء، وحدّدت 10 أيار موعداً لاستئناف النظر في القضية.

الجلسة الثانية.. توجيه التهم ومرافعة النيابة العامة

في 10 أيار 2026 عُقدت الجلسة الثانية، ووجّهت المحكمة إلى عاطف نجيب اتهامات تتصل بمسؤوليته القيادية المباشرة والمشتركة عن أفعال وُصفت بأنها منهجية استهدفت المدنيين في درعا، وشملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسّفي.

كما قرّرت المحكمة تثبيت غياب عدد من المتهمين الفارين، والسير بحقهم غيابياً، وتجريدهم من الحقوق المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة، وفقاً للمادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

جلسات سماع الشهود

في 19 أيار الماضي، عقدت الجلسة الثالثة وكانت مغلقة بشكل كامل وجرت دون ‌‏حضور وسائل الإعلام، ‏نظراً لما تضمنته من ‌‏مرافعات وأسئلة ‌‏ووثائق وأسماء شهود محميين ومعلومات سرية، حيث تم ‏عرض ‏صور وفيديوهات للضحايا على الشاشة‎.‎

وفي 23 حزيران 2026، عقدت المحكمة جلستها الرابعة بصورة مغلقة للاستماع إلى شهادات عدد من شهود الحق العام بعد أدائهم اليمين القانونية، ونقلت وزارة العدل عبر قناتها أن المحكمة واجهت إنكار نجيب للتهم المسندة إليه، مستندة إلى أقوال الشهود التي عدت داعمة للأدلة المقدمة في ملف الدعوى.

وفي تصريح لاحق في اليوم نفسه، أوضح مدير إدارة المحاسبة والمساءلة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المحامي رديف مصطفى، أن المحكمة استمعت إلى ثلاثة عشر شاهداً، من بينهم الشاهد السري (01)، تضمنت إفاداتهم معطيات وأدلة قانونية تتعلق بالاعتقال التعسفي خارج إطار القانون، والقتل خارج إطار القانون، والتعذيب الممنهج بأشكاله المختلفة، وانتهاكات طالت الأطفال الذين شكلوا نسبة كبيرة من المعتقلين.

وكشف مصطفى أن إحدى الإفادات تضمنت شهادات بالتعرض لانتهاكات جسدية وجنسية أثناء الاحتجاز في أحد الأفرع الأمنية بدرعا. وأشار إلى رفض نجيب لما ورد في شهادات الشهود.

وفي 14 تموز، عقدت المحكمة جلستها الخامسة بصورة مغلقة أيضاً لاستكمال الاستماع إلى شهود الحق العام، الذين قدموا شهاداتهم في مواجهة المتهم ضمن إطار إجراءات الإثبات القضائي، بما يعزز مسار المحكمة في تكوين قناعتها القضائية من خلال ربط الشهادات بالأدلة والقرائن الواردة في ملف الدعوى، مع كفالة حق الدفاع في مناقشتها.

وفي 21 تموز، عقدت المحكمة جلستها السادسة، بحضور ذوي ضحايا من درعا وأعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وممثلي منظمات قانونية وإنسانية دولية، خُصصت أيضاً للاستماع إلى أقوال شهود الحق العام.

وفي 28 تموز، عقدت الجلسة السابعة بصورة مغلقة، خُصصت للاستماع إلى أقوال شاهد بطلب من جهة الدفاع أدلى بإفادته أمام هيئة المحكمة، ورفعت الجلسة إلى 4 آب لاستكمال إجراءات المطالبة والادعاء والدفاع.

الجلسة الثامنة: مرافعات ختامية وإحالة الملف للتدقيق والحكم

في 4 آب 2026، عقدت محكمة الجنايات الرابعة جلستها الثامنة، حيث طلب ممثل النيابة العامة إدانة نجيب وباقي المتهمين الفارين المذكورين في ملف الدعوى -وفي مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد وآخرون- بجرائم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وإهدار المال العام، مع إنزال أقصى عقوبة وهي الإعدام، مؤكداً تماسك الأدلة وترابطها.

كما قدم محامي الدولة مذكرة من صفحتين إلى هيئة المحكمة، في حين تقدم محامي الدفاع بمذكرة خطية من 12 صفحة طالب فيها بتطبيق القانون بدقة، واستمعت المحكمة إلى الأقوال الأخيرة لنجيب، الذي طلب العدل والإنصاف، وضُمت أقواله إلى إفادته السابقة.

الجلسة التاسعة: النطق بالحكم

عقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق اليوم الثلاثاء 11 آب جلستها التاسعة والأخيرة للنطق بالحكم في الدعوى المقامة ضد عاطف نجيب والمتهمين الفارين معه، برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وبحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف وعدد من أعضائها، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية، وذوي الضحايا.

وأثبتت التحقيقات وأقوال الشهود، وفق القاضي العريان، تورط نجيب في التحقيق مع عدد من المعتقلين عقب بداية الاحتجاجات في درعا، وأن فرع الأمن السياسي الذي كان يقوده اقتحم المسجد العمري مع فروع أمنية أخرى، وأنه قاد الحملة الأمنية ضد المدنيين في درعا مع بداية الثورة السورية، واعتبرت المحكمة أن الأفعال المنسوبة إليه وفق التحقيقات وأقوال الشهود هي جرائم ضد الإنسانية.

وتطرق القاضي العريان إلى مساهمة المجرم بشار الأسد في الجرائم، معتبراً أنها كانت “مساهمة صاحب القرار الأعلى” الذي سخر لها أجهزة الدولة، وعلى هذا الأساس، قضت المحكمة بـ:

تجريم بشار حافظ الأسد بجناية القتل العمد والقصد لأكثر من شخص وللأطفال، وبجناية التعذيب والاعتقال التعسفي، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والحكم عليه بالإعدام.

تجريم عاطف نجيب والحكم عليه بالإعدام

تجريم الفارين الواردة أسماؤهم في ملف الدعوى، وهم: ماهر حافظ الأسد، وفهد جاسم الفريج، ومحمد أيمن عيوش، ولؤي علي العلي، وقصي إبراهيم مهيوب، ووفيق صالح ناصر، وطلال فارس العيسمي، بجناية القتل العمد والقصد والتعذيب المفضي إلى الموت، والحكم عليهم بالإعدام.

وبذلك تكون محكمة الجنايات الرابعة قد أنهت أولى محاكماتها العلنية لأحد رموز النظام البائد بعد مسار قضائي استمر نحو عام ونصف العام منذ اعتقال نجيب، وتسع جلسات علنية شهدت سماع عشرات الشهود ومرافعات مطولة لفريقي الادعاء والدفاع، في سابقة تُعد محطة مفصلية على طريق العدالة الانتقالية في سوريا ومحاسبة المتورطين بالجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري.

أسرة التحرير