يظل قطاع الثقافة البوصلة الحقيقية لوعي ونضج المجتمع، وبالتالي فإن سقف تطلعات النخب المثقفة ارتفع ليطال حزمة من المطالب الملحة أمام النواب الجدد، فماذا يريد المثقف السوري من مجلس الشعب الجديد؟ سؤال طرحناه على عدد من المثقفين على اختلاف مشاربهم، فما هي إجاباتهم؟.
بدايةً، قالت الشاعرة رود مرزوق لـ “الوطن”: “إن المثقف السوري يتطلع إلى تحقيق خطوات ملموسة تدعم حرية الإبداع وتنقذ الواقع المعيشي والمؤسساتي، وذلك عبر مطالب أساسية، منها حماية حرية التعبير وإبعاد المراكز الثقافية والاتحادات عن أي سلطة أو هيمنة بيروقراطية، ورفع أجور العمال في مجال الثقافة لتمكين المثقف من الإنتاج الفكري المبدع من دون أي ضغوط مادية، وتخفيض تكاليف الطباعة والنشر، وتفعيل التأمين الصحي الشامل، وضمان معاشات تقاعدية تحمي كرامة المبدعين، وإعادة المسارح والمراكز الثقافية ودور السينما في المحافظات كلّها، وتمويل مشاريع المبدعين الجدد وتوفير منصات لعرض نتاجهم الفني والأدبي وممارسة الرقابة الحقيقية على أداء وزارة الثقافة والجهات التابعة إليها”.
بدورها، رأت الشاعرة بسمة شيخو أن المثقف السوري ينظر إلى مجلس الشّعب باعتباره امتحاناً حقيقيّاً لسورية الجديدة، فلا يكون وجوده صوريّاً لتمرير القرارات وتوقيعها لتكتسب الشّرعية اللّازمة كما كان سابقاً، بل يجب العمل على استعادة دور العقل البرلماني الذي يحوّل المجلس من هيئة شكلية تبصم على قرارات السلطة التنفيذية إلى سلطة تشريعية مستقلة تمتلك جرأة المساءلة، وتطرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل الاقتصاد والتعليم والعدالة الانتقالية، فلا يداهن السّلطة ولا يهادن الباطل، وننتظر أن يأخذ المجلس بادرة صياغة العقد الاجتماعي الذي يتجاوز الاستقطاب القومي والدّيني والمناطقي في اتجاه مواطنة جامعة”.

وأكدت أن البرلمان يشكّل منصة للحوار بين كل مكونات المجتمع السوري (القومية، والدينية، والمناطقية)، لذلك يطلب من النواب أن يعكسوا ثقافة “المواطنة الجامعة.
وأردفت: “يريد المثقف أن يقوم البرلمان بدوره الأساس في إعداد مسودة للدستور السّوري تليق بالشعب السّوري وحضارته ومكانته وتضحياته، إضافة إلى سنّ قوانين تحمي حرية الرأي والتعبير والنشر والإبداع من دون تضييق، مستنداً إلى أهل الخبرة والباحثين والمفكرين”.
وختمت: “قبل كلّ هذا يريد الجميع من مجلس الشعب أن يكون صوت الشعب الذي حمل اسمه، ويوصله لأصحاب القرار، ويناقش القضايا الحقيقية التي تشغل المجتمع وفق التحديات الحالية التي تعيشها سورية”.
أما المسرحي الدكتور عجاج سليم فأشار لـ”الوطن” إلى أن المثقف السوري الواعي لم يعد يريد شيئاً من أحد، بل يحتاج إلى فسحة حقيقية ومساحة لا يدخل عليها أحد إذ قال كلامه الصريح، ويريد فعلاً حقيقياً وحرية حقيقية لا مجرّد بيانات وخطابات، وهو بحاجة إلى بيئة طبيعية حقيقية يشعر فيها هو وكل الناس بأن لهم الحرية الكاملة في الملبس والمأكل والمشرب والمعتقدات، وبوجود قانون وأمل بالمساواة، فالمثقف السوري مثل أي مواطن يأكل ويشرب، ويتمنى أن تبقى لقمة عيشه كريمة وحريته التي يستطيع أن يكون مسؤولاً عنها.
بالنسبة للمسرح، تمنى عجاج من النواب أن يحضروا عروضاً مسرحية، وأن تابعوا “البروفات” أيضاً، ويدركوا التعب والجهد الكبير الذي يبذله المسرحي، ليطّلعوا على صعوبات العمل وجداول الرواتب، مضيفاً: “سابقاً لم تكن المكافآت تكفي أجور المواصلات، واليوم لا يوجد أي صرف لأي عمل إلا إذا كان هناك تكليف من جهة عليا لمناسبة أو هدف ما”.
وقال: “المسرح بحاجة إلى أنظمة وقوانين جديدة، وإلى أن يعطي القائمون عليه مساحة حقيقية، ويضمنوا أن يكون العمل محمياً من المجتمع قبل أي شيء، واليوم لم يعد هناك ثقة بوسائل التواصل الاجتماعي وما تقدمه من رسائل، بينما المسرح قادر على إيصال كل الرسائل وأن يكون صدى لأحلام وتطلعات وأوجاع الناس من خلال تواصله المباشر مع الناس”.
بدوره، قال الأديب محمد أحمد الطاهر: “في ظل التغيرات المتسارعة على الساحة السورية كان الأدباء وأصحاب الفكر من أكثر الناس تأثراً، ليس لطبيعتهم في استشراف مستقبل الأحداث وقراءة الأحداث بعيون راصدة عانت قديماً الإقصاء تارة وفرض عينات لا تصلح لشيء إلا لكونها عيون أمنية تتسقط الأخطاء”.
وأضاف: “ربما نشهد بعض الانفتاح الحذر الذي كانت بدايته مبشرة من خلال إبعاد الرقابة، فليس هناك كتاب ممنوع كما قال وزير الثقافة في الاجتماع التمهيدي لنخبة من الكتّاب والناشرين والصحفيين”.
ونوه الطاهر بمعاناة أخرى تواجه الكاتب المتمثلة بسياسة الإلغاء لكثير من النشاطات التي يتم إقرارها في المراكز الثقافية ثم يتم إلغاؤها بمزاجية أو لسبب غير معروف دونما احترام لمشاعر هذا المبدع.
وأكد أن المبدع يحتاج من مجلس الشعب أن يكون له دور فعال في تغيير ذهنية القائمين على العمل في المراكز ودور الثقافة واتحاد الكتّاب العرب، والمحافظة على الكفاءات الحقيقية لا استبدالها ببعض العناصر التي لا دراية لها ولا خبرة في العمل الإداري والثقافي والإبداعي، والابتعاد عن الارتجالية في اتخاذ القرارات وفق النظام الداخلي، وليس وفق الأهواء والتوصيات، ليعود للمؤسسات الثقافية وفروع اتحاد الكتّاب العرب بريقها الحقيقي، وإعادة الثقة للعقول الإبداعية بعيداً عن هلوسة الثقافات المستوردة من بلاد اللجوء التي قد يعود إليها الإداري المسؤول في أي لحظة عندما يجد أنه لم يحقق ما يريد”.
الوطن – نجوى صليبه








