تشهد الساحة الدرامية الرمضانية لهذا العام موسماً حافلاً بالأعمال الكوميدية، التي تبقى الوجبة الأساسية على مائدة المشاهد السوري، وقد نجح مسلسل “ما اختلفنا 3” في الحفاظ على الروح التي ميزت أجزاءه السابقة، متجهاً هذه المرة إلى مساحات أكثر رحابة وعمقاً، ليعالج موضوعات متنوعة تتراوح بين الهموم الفردية الصغيرة، مثل الحياة الزوجية وتأثير التكنولوجيا والغيرة، وصولاً إلى قضايا مجتمعية كبرى كالعلاقة بين الجنسين، وضغوط العمل، والاغتراب، وتأثيرات السلطة، إلا أن هذه التوسعات الموضوعية لم تنجُ من ظاهرة درامية قديمة-حديثة، ألا وهي إعادة تدوير الأفكار.
إلا أن هذا الحضور اللافت يثير مجدداً الجدل حول مدى التجديد والإبداع لدى الصنّاع، فبينما يقدم جزء جديد من “ما اختلفنا”، الذي يستكمل لوحاته الفنية المعروفة بتعمقها في تفاصيل الإنسان العربي ومزجها بين الطرافة والنقد الاجتماعي الكاريكاتوري، يبرز سؤال ملح حول وقوع العمل في فخ التكرار الذي يهدد رونقه الأصلي.
وفي مشهد يعيد إلى الأذهان أيقونات الدراما السورية الكلاسيكية، يظهر التشابه واضحاً بين لوحات من “ما اختلفنا” وأخرى من المسلسل الشهير “بقعة ضوء”، ففي الجزء الثاني من “ما اختلفنا”، قدمت لوحة “الثرثارة” تأليف كلوديا مارشليان شخصية الزوجة التي لا تتوقف عن الكلام أدتها نور علي بالتشارك مع أيمن عبد السلام، وهي الفكرة ذاتها التي جسدتها أمل عرفة مع عبد المنعم عمايري في لوحة حملت عنوان “حكي” من الجزء الثاني من “بقعة ضوء”، والتي كتبها نهاد سيريس.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجلى التكرار مجدداً في الجزء الثالث عبر لوحة “هدوء” تأليف زياد ساري، حيث تظهر رشا بلال بالنمط نفسه من الشخصية الثرثارة، ما يدفع زوجها أحمد الأحمد لادّعاء المرض هرباً من ثرثرتها.
كما تكررت الإشكالية في هذا الموسم من العمل ذاته في لوحة “ما بدها شهادات” تأليف شادي الصفدي، التي تسلّط الضوء على ظاهرة اجتماعية خطيرة وهي تطوع الأشخاص غير المختصين لتقديم وصفات وأدوية للمرضى وحتى من يشتبهون في أنهم مرضى، لتكون نهاية هذه الظاهرة في اللوحة مأساوية، وهنا يبرز التشابه الكبير مع لوحة “وصفات طبية” من “بقعة ضوء” بجزئه الثاني، التي قدمت الفكرة نفسها بأبعادها الكوميدية السوداء، والتي لعب بطولتها جهاد عبده ولينا حوارنة وعبد المنعم عمايري ونضال سيجري وغيرهم.
وتثير هذه الظاهرة تساؤلات جوهرية عن حدود الاقتباس والإلهام، ومخاطر تكرار الأفكار في الدراما التي تستنزف مخزونها الإبداعي، ما قد يحولها إلى مجرد إعادة إنتاج للنجاحات السابقة بدلاً من أن تكون رافداً حقيقياً للتجديد.
يشار إلى أن “ما اختلفنا 3″، يعتمد على نمط الحلقات المنفصلة المتصلة، حيث تتناول كل حلقة قضية اجتماعية معاصرة بلمسة ساخرة.








