المزيد

‫آخر الأخبار:‬

تمرد فلول النظام البائد في آذار 2025.. محاولة فاشلة لإعادة الفوضى

‫شارك على:‬
20

شكلت أحداث الساحل السوري في آذار 2025 واحدةً من أكثر المحطات حساسيةً في المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام البائد أواخر عام 2024، إذ كشفت تلك الأحداث عن طبيعة التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها الدولة السورية في مسار إعادة بناء مؤسساتها وترسيخ الاستقرار بعد سنوات طويلة من الصراع.

ولم يكن التمرد الذي نفذته مجموعات من فلول النظام البائد مجرد حادث أمني عابر، بل بدا أقرب إلى محاولة منظمة لإعادة إدخال البلاد في دائرة الفوضى عبر الجمع بين العمل المسلح والحرب الإعلامية والتلاعب بالمخاوف الاجتماعية.

فبعد سقوط نظام بشار الأسد، بدأت الدولة السورية عملية إعادة ترتيب مؤسساتها العسكرية والأمنية وفق مبدأ أساسي يقوم على حصر السلاح بيد الدولة، وهو مبدأ يعد شرطاً جوهرياً لاستعادة الاستقرار وبناء دولة القانون. غير أن تلك المرحلة الانتقالية وفرت في الوقت ذاته بيئة معقدة حاولت بعض الشبكات المرتبطة بالنظام البائد استغلالها لإعادة تنظيم صفوفها، ولا سيما في بعض مناطق الساحل السوري التي كانت تضم عدداً من الضباط والعناصر المرتبطين بالأجهزة الأمنية والعسكرية المنحلة.

ومع بداية آذار 2025 بدأت مؤشرات التصعيد تظهر تدريجياً عبر حملات تحريضية وشائعات انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، كان أبرزها الادعاءات المتعلقة بحوادث خطف للفتيات في الساحل السوري، وهي روايات تبيّن لاحقاً أنها مضللة ولا تستند إلى وقائع موثقة، وقد بدا واضحاً أن الهدف من تلك الحملات لم يكن مجرد إثارة الجدل، بل خلق حالة من القلق والارتباك تمهيداً لمرحلة أكثر خطورة.

وفي السادس من آذار بلغت تلك التطورات ذروتها عندما نفذت مجموعات مسلحة هجمات متزامنة استهدفت حواجز الجيش العربي السوري ودوريات الأمن العام في عدة مناطق من الساحل، واتسمت تلك العمليات بدرجة من التنظيم والتنسيق تشير إلى أنها لم تكن أعمالاً عشوائية، بل جزءاً من خطة أوسع تهدف إلى إرباك مؤسسات الدولة وإحداث خسائر كبيرة في صفوف القوى الأمنية.

وقد اعتمدت المجموعات المتمردة على تكتيكات متعددة من حرب العصابات، من بينها نصب الكمائن للدوريات الأمنية واستدراجها عبر اتصالات تطلب النجدة ثم مهاجمتها عند وصولها، إضافة إلى زرع عبوات ناسفة على الطرقات واستهداف مركبات عسكرية وأمنية وأحياناً مدنية، كما شملت الاعتداءات إطلاق النار في بعض المناطق السكنية واستهداف منشآت خدمية بهدف تعطيل الحياة اليومية وبث الذعر بين السكان.

غير أن ما ميّز تلك الأحداث لم يكن البعد العسكري فحسب، بل أيضاً الحملة الإعلامية الواسعة التي رافقتها، حيث انتشرت عبر بعض المنصات روايات ومقاطع مجتزأة واتهامات للدولة السورية بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق، وقد اعتبرت وسائل الإعلام الرسمية أن تلك الحملة كانت جزءاً من حرب نفسية تهدف إلى التشويش على مؤسسات الدولة وإضعاف الثقة بها في لحظة انتقالية حساسة.

في المقابل، جاءت استجابة الدولة السورية سريعةً على المستويين الأمني والسياسي، فقد تحركت وحدات من الجيش العربي السوري وقوى الأمن العام بسرعة نحو المناطق التي شهدت الهجمات، وبدأت عمليات ملاحقة للخلايا المسلحة، ما أدى خلال أيام قليلة إلى تفكيك عدد من تلك الشبكات وإلقاء القبض على متورطين في الهجمات واستعادة السيطرة على المواقع التي استهدفتها الاعتداءات.

لكن أهمية رد الدولة لم تقتصر على الإجراءات العسكرية، بل امتدت أيضاً إلى الجانب السياسي والمؤسساتي، حيث أعلنت القيادة السورية عن تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في أحداث الساحل، في خطوة هدفت إلى تحديد المسؤوليات الفردية والتحقيق في جميع الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال تلك الفترة، إضافة إلى تقديم توصيات تحول دون تكرار مثل هذه الأحداث.

لقد كشفت أحداث الساحل في آذار 2025 أن المرحلة التي تعقب سقوط أي نظام سياسي لا تكون بالضرورة مرحلة استقرار تلقائي، بل قد تتحول إلى ساحة صراع بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وآخر يحاول إعادة إنتاج الفوضى للحفاظ على شبكات النفوذ القديمة، وفي هذا السياق، يمكن قراءة التمرد الذي قادته فلول النظام البائد باعتباره محاولة لإجهاض مسار الاستقرار في لحظة انتقالية حساسة.

ومع أن تلك الأحداث خلفت خسائر بشرية وأضراراً مادية وأثارت توترات اجتماعية في بعض المناطق، فإن سرعة احتواء التمرد واستعادة السيطرة على الساحل تشير إلى أن مؤسسات الدولة السورية ما زالت قادرة على فرض الأمن ومنع انزلاق البلاد مجدداً إلى الفوضى، كما أن المسار القضائي والتحقيقي الذي أُعلن عنه يمثل اختباراً مهماً لقدرة الدولة على الجمع بين متطلبات الأمن ومبادئ العدالة والمساءلة.

الوطن- أسرة التحرير

مواضيع: