لا تكاد تغيب شمس كل يوم، من دون أن تقوم قوات الاحتلال الإسرائيلي بانتهاك للقوانين الدولية وشرعية الأمم المتحدة، عبر توغلها في العديد من قرى وبلدات ريفي القنيطرة ودرعا، وارتكابها جملة من الأعمال العدوانية المتمثلة بهدم ممتلكات الأهالي في تلك المناطق، واعتقال المدنيين، وتجريف الأراضي الزراعية وتدمير البنية التحتية، ليكون آخر تلك الاعتداءات توغل قوة عسكرية تابعة للاحتلال الإسرائيلي مؤلفة من 6 آليات، باتجاه وادي الرقاد وصولاً إلى قرية جملة في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، إضافة إلى قيام قوة أخرى من الاحتلال بتثبيت خيام في منطقة تل المغر غربي قرية عابدين في حوض اليرموك.
بعيداً عن التداعيات الإنسانية والمعيشية الكارثية على سكان المنطقة، الناجمة عن اعتداءات الاحتلال، وتحول تلك التوغلات إلى سياسة ممنهجة، يبرز سؤال غاية في الأهمية: لماذا يغيب الفعل الدولي الملزم للكيان بالتوقف عن اعتداءاته؟ وهل تكفي الإدانات السياسية لإجبار الاحتلال على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة وفي مقدمتها اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974؟
يعمل الاحتلال الإسرائيلي، على تصوير أعماله العدوانية المتواصلة والشبه يومية في الجنوب السوري على أنها تطورات أمنية عابرة، كما يحاول تسويقها على أنها ردود فعل ظرفية أو إجراءات دفاعية، إلا أن الحقيقة وما تقوله المجريات على أرض الواقع ينفي ما يروج له الاحتلال، لتشكل تلك التوغلات والاعتقالات وتجريف الأراضي إستراتيجية متكاملة تهدف إلى فرض واقع جغرافي وميداني جديد يتجاوز خطوط فض الاشتباك التاريخية، ولتتحول تلك التوغلات إلى نوع جديد من الاحتلال.

في التوصيف القانوني، فإن تلك الاعتداءات تعد انتهاكاً فاضحاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وخرقاً واضحاً للشرعية الدولية، ولقواعد القانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المدنيين، ويجرم العقوبات الجماعية، ويحمي الممتلكات المدنية، الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته للوقوف في وجه الاحتلال الإسرائيلي، الذي اعتاد الإفلات من المحاسبة والعقاب على جرائمه، والمسؤولية لا تكون هنا بالمواقف السياسية التي تكتفي بالتعبير عن القلق أو الدعوة إلى ضبط النفس، والتي اعتاد الاحتلال سماعها مراراً وتكراراً.
يبدو أن الاحتلال يعي حقيقة المواقف الدولية السياسية، بأنها لم تعد سوى غطاء دبلوماسي لاستمرار الانتهاكات، وعليه فإن المواقف الدولية من دون آليات مساءلة حقيقية، ومن دون إرادة دولية لفرض احترام القانون، تبقى الشرعية الدولية مجرد نصوص معطلة، وقراراتها حبراً على ورق، وأصواتها مجرد صريخ في واد، وتصبح القوة بيضة القبان، والمرجعية الوحيدة التي تحكم العلاقات الدولية.
في ظاهر الأمر، يبدو أن ما يجري في ريفي القنيطرة ودرعا من اعتداءات إسرائيلية، يهم سوريا وأبناء تلك المناطق ، لكن في باطن الأمر، المعضلة أعمق وأبعد من الحدود الجنوبية لسوريا، إنها معضلة دولية، واختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على حماية المبادئ التي قام عليها، ومدى التزامه بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
الوطن- أسرة التحرير








