مع طرح المازوت بثلاثة أسعار مختلفة، تدخل سوق المحروقات مرحلة جديدة تحمل وعوداً بتخفيف الأعباء عن القطاعات الأكثر احتياجاً، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام تحديات الرقابة ومنع التلاعب. وبينما قد يحقق اختلاف الأسعار عدالة أكبر في توزيع الدعم، يحذّر اقتصاديون من أن غياب التمييز الواضح والضبط الصارم قد يحوّل الفروقات السعرية إلى وقودٍ جديد للسوق السوداء والتضخم.
الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش رأى أن قرار تسعير مادة المازوت بأسعار متعددة يحمل في طياته منعكسات اقتصادية وهيكلية عميقة على سوق المحروقات والقطاعات الإنتاجية، لافتاً الى أن أي آثار إيجابية لهذا القرار ستكون مرتبطة بشكل وثيق بتباين نوع المادة بشكل يسهل تمييزه لدى المستهلك، مع إدارة التوزيع بشكل محكم، والإيجابية الأهم هي في استجابة الحكومة ممثلة بوزارة الطاقة للمطالب الشعبية ومحاولتها تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطن رغم الظروف المعقدة والتحديات الكبيرة.
وبين في تصريح لـ “الوطن” أن طرح ثلاث انواع من المازوت والتمييز في النوعية والتوزيع يمكن أن يحقق عدالة تسعيرية ويحمي الشرائح الأكثر احتياجاً.
وحول منعكسات طرح ثلاثة انواع من المازوت بأسعار مختلفة على سوق المحروقات ومخاطر السوق السوداء والتلاعب، قال: عياش إن تعدد الأسعار للسلعة المتجانسة نفسها (مثل المازوت) قد يؤدي إلى حدوث خلل هيكلي في آليات العرض والطلب، ومن منعكساته السلبية أن تعدد الأسعار يعد البيئة المثالية لولادة السوق السوداء، إضافة إلى أن تعدد الأنواع قد يؤدي إلى لجوء بعض ضعاف النفوس والموزعين إلى خلط المازوت الرخيص (المدعوم) مع المازوت المستورد وبيعه بالسعر الأعلى (175 ليرة) لتحقيق أرباح غير مشروعة هائلة في حال عدم وجود فروقات بصرية واضحة بين أنواع المازوت،
وبالنسبة لمنعكساته على القطاعات الاقتصادية الحيوية أوضح عياش أنه على المستوى الزراعي، يمكن أن يكون القرار إيجابياً نظرياً، ومعقداً عملياً، فتوفير المازوت بسعر 115 ليرة يخدم الفلاحين في الري وضخ المياه والجرارات، لكن، إذا تسرب هذا المازوت للسوق السوداء، فسيضطر الفلاح لشراء المازوت الحر بـ 175 ليرة، مما يرفع تكاليف الإنتاج الزراعي وأسعار الخضر والفواكه، وفي قطاع الصناعة والحرف قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج. فاعتماد الصناعيين والحرفيين على المازوت غير المدعوم (150 أو 175 ليرة) سيرفع تكلفة تشغيل المولدات والمصانع، مما يضعف تنافسية البضائع السورية محلياً وتصديرياً، ويؤدي لرفع الأسعار النهائي على المستهلك. وبالتالي توليد ضغوط تضخمية إضافية.
أما في مجال قطاع النقل والشحن، فإن تأثر وسائل النقل العام وشحن البضائع بالأسعار المرتفعة سيترجم فوراً إلى رفع تعرفة الركوب وشحن السلع، مما يسهم في موجة تضخم عامة تشمل جميع المواد الغذائية والاستهلاكية، وبالنسبة لقطاع الخدمات الصحية، قد نجد ارتفاعاً في كلف الاستشفاء. باعتبار أن المستشفيات والمراكز الصحية تعتمد على المازوت لتشغيل المولدات وسيارات الإسعاف والتدفئة، وبالتالي فإن تعدد الأسعار قد يرفع الكلف التشغيلية للمؤسسات الصحية الخاصة والعامة.
مقترحات لضبط السوق
وختم عياش بالقول: لضمان عدم حدوث إرباك في الأسواق ومنع الفساد، يجب تطبيق حزمة من الإجراءات الصارمة والذكية أبرزها أتمتة التوزيع بالكامل (التحول الرقمي)، والتميز البصري أو الكيميائي للمادة من خلال إضافة ملوّنات كيميائية غير ضارة ومختلفة لكل نوع من أنواع المازوت، وتشديد الرقابة التموينية عبر تفعيل دوريات “حماية المستهلك” بشكل مفاجئ على محطات الوقود وصهاريج التوزيع، وفرض عقوبات جنائية ومالية قاسية جداً تصل للإغلاق الدائم والسجن بحق المتلاعبين، إضافة إلى توطين المخصصات من خلال ربط كل قطاع زراعي أو مخبز بمحطة وقود محددة جغرافياً، وتعزيز الشفافية والإفصاح من خلال نشر جداول كميات المازوت الموردة والموزعة على المحافظات والقطاعات بشكل يومي ليتسنى للمجتمع المحلي والمزارعين مراقبة عمليات التوزيع والإبلاغ عن أي خلل.









