يضع قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية برفع بند “عدم الامتثال” الخاص بسوريا حداً لملف بقي لسنوات عنواناً للتوتر بين دمشق والوكالة.
القرار يمنح الدولة السورية فرصة فعلية لإعادة بناء علاقتها بالمؤسسات الدولية على قاعدة مختلفة عن تلك التي حكمت هذا الملف في عهد النظام السابق.
فالبند الذي أُغلق جاء نتيجة مباشرة لسنوات من الأسئلة التي لم تجد لدى الوكالة إجابات كافية، ومن القيود التي حالت دون استكمال عمليات التحقق المتعلقة بأنشطة ومواقع ومواد نووية سورية.
وقد أدى غياب التعاون المطلوب آنذاك إلى إبقاء الملف مفتوحاً منذ عام 2011، بينما تراكمت حوله الشكوك والضغوط السياسية.
ومن الواضح أن الصورة تبدو مختلفة اليوم، فخلال نحو عام ونصف العام، عملت الجهات السورية المعنية بالتنسيق مع الوكالة على استكمال المتطلبات الفنية والقانونية، وتوفير المعلومات والتسهيلات اللازمة لعمليات التحقق، بما أتاح معالجة القضايا المرتبطة بالمواد والمخلفات النووية العائدة إلى المرحلة السابقة.
وحسب مصادر سياسية متابعة في دمشق، يمكن من هذه الزاوية فهم القرار، فهو نتيجة لتغيير طريقة إدارة الملف، وليس فقط تسوية إجرائية في مجلس المحافظين.
وبهذا الصدد، قال رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية مضر العكلة: إن القرار يمثل “انتصاراً استراتيجياً دبلوماسياً” ، معتبراً أنه ثمرة “جهود وطنية مكثفة” امتدت عاماً ونصف العام.
وأكد العكلة في الوقت نفسه أن سوريا التزمت بالمعايير الدولية ومنظومة الضمانات والشفافية، من دون التخلي عن حقها في تطوير التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
مراقبون قرؤوا في هذا التصريح رسالة مفادها أن سوريا لم تدخل العلاقة الجديدة مع الوكالة من موقع التخلي عن حقوقها، كما لم تتعامل مع متطلبات التحقق باعتبارها انتقاصاً من سيادتها.
كما أن المعادلة التي أنتجت القرار تقوم وفق المصادر على الجمع بين الالتزام بالضمانات الدولية من جهة، والتمسك بحق الاستخدام السلمي للطاقة النووية من جهة أخرى.
ولعل حجم الترحيب العربي والدولي بالقرار يعكس أهميته، فقد دعمت السعودية والأردن ومصر والمغرب الخطوة، كما رحبت بها دول أوروبية والاتحاد الأوروبي وكندا.
ويحمل هذا التفاعل الواسع في مضامينه أبعاداً مهمة، ربما أهمها أن المجتمع الدولي يرى في التعاون السوري مع الوكالة نموذجاً قابلاً للبناء عليه في ملفات أخرى، بينما تجد دمشق نفسها أمام مساحة أوسع لاستعادة علاقاتها العلمية والتقنية.
وفي السياق، ووفق هيئة الطاقة الذرية السورية فإن إغلاق ملف “عدم الامتثال” يفتح الطريق أمام الاستفادة من برامج الوكالة في التدريب والمنح والزمالات وتبادل الخبرات، إلى جانب تعزيز التطبيقات السلمية للطاقة النووية في الطب والزراعة والبحوث.
وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن سياسة الانغلاق التي اتبعها النظام البائد تركت هذا الملف مثقلاً بالشكوك والقيود، أما القيادة السورية الجديدة فقد اختارت معالجة الإرث بدلاً من إدارته كأزمة دائمة، والنتيجة أن الملف الذي كان لسنوات مصدراً للضغط على سوريا أصبح اليوم مدخلاً إلى تعاون دولي أوسع.
وفي النتيجة فإن القيمة الحقيقية للقرار تكمن في أن سوريا لا تستعيد موقعاً أفضل داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقط، بل تستعيد حقها في أن تُعامل كشريك قادر على الوفاء بالتزاماته الدولية، وفي الوقت نفسه على توظيف العلم والتكنولوجيا لخدمة احتياجاته الوطنية.
أسرة التحرير









