المزيد

‫آخر الأخبار:‬

حجب المقابلة أم حجب الرأي.. عندما يفرض الإرهاب صمت الشاشات

‫شارك على:‬
20

لم يكن إلغاء بث مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة «شمس» حدثاً إعلامياً عابراً، بل تحوّل سريعاً إلى قضية رأي عام تختصر معركة أعمق، معركة بين حق سماع الرأي الآخر، ومنطق الابتزاز والتهديد الذي تمارسه قوى متطرفة لا تحتمل الخطاب المخالف، ولا تقبل بظهور رواية الدولة السورية في مواجهة تنظيمات إرهابية.

في البداية، حاولت القناة تبرير عدم بث المقابلة لأسباب تقنية ولوجستية، قبل أن تنتقل إلى تبريرات سياسية تحت عنوان «التهدئة»، هذا التحوّل بحد ذاته يطرح علامة استفهام حول المعايير المهنية، فالإعلام ليس غرفة إسعاف نفسي، بل مساحة لعرض الوقائع ووجهات النظر، لا لحجبها حين لا تروق لطرف نافذ أو مسلح.

والأهم أن اختيار قناة «شمس» لم يكن اعتباطياً، إذ كان الهدف إيصال رسالة واضحة وهي مخاطبة الشارع الكردي مباشرة في لحظة توتر واحتقان، ومحاولة فتح نافذة حوار سياسي صريح بدل ترك الساحة للروايات الأحادية التي تروّجها «قسد» من دون مساءلة أو نقد.

مضمون المقابلة، كما تسرب، لم يكن إعلان حرب ولا خطاب تصعيد، بل عرض سياسي واضح لمسار العلاقة مع «قسد»، وتأكيد على التزام الدولة باتفاق 10 آذار، مع تحميل قيادات التنظيم مسؤولية المماطلة وعدم الشفافية، كما أن الرئيس الشرع لم يتهرب من الأسئلة، بل واجهها مباشرة انطلاقاً من قناعة بأن الصدق السياسي مهما كان قاسياً فهو أقل كلفة من المجاملات الكاذبة.

لكن، تبرير القناة بأن الخطاب «عالي السقف» أو «قد يؤجج المشاعر» يكشف إشكالية أخطر: من يحدد سقف الخطاب السياسي؟ وهل بات على الرؤساء أن يفلتروا مواقفهم خشية غضب تنظيمات مسلحة؟ والأخطر من ذلك ما نُقل عن تلقي القناة تهديدات من تنظيم “PKK” الإرهابي باستهداف مقرها في حال بث اللقاء، وهو ما ينقل القضية من نقاش مهني إلى واقع إرهابي صريح يمنع الكلمة قبل الرصاصة.

وبالتالي فإن حجب المقابلة هنا ليس حياداً بل خضوع، وليس تهدئة بل تكريس لمنطق القوة، وكان الأجدر بالقناة – إن أرادت التوازن – أن تبث اللقاء ثم تفتح شاشتها لكل الآراء، لا أن تصادر حديث رئيس دولة تحت ضغط التهديد.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل حجب الرأي الآخر عن خطاب الكراهية التحريضي الذي تبثه بعض القنوات الكردية، والتي دأبت على شيطنة الدولة السورية وتأجيج الانقسام القومي عبر سرديات فتنوية تقوم على التحريض والتخوين، هذا الخطاب الإعلامي المنفلت لم يبق في إطار الكلام، بل ترجم ميدانياً باعتداءات وإهانات طالت سوريين لاجئين في إقليم كردستان، والأخطر أن الدعاية السوداء ذاتها أسهمت في خلق مناخ دموي في الجزيرة السورية، حيث قُتل طفلان كانا يرعيان الماشية بنيران «قسد»، في مشهد يختصر كيف يمكن للإعلام المؤدلج أن يتحول من أداة تحريض إلى شريك غير مباشر في الجريمة، حين يبرر العنف ويغذي الكراهية بدل تفكيكها؟

والخلاصة أن ما جرى لا يخدم الإعلام ولا الكلمة الحرة، بل يعمق صورة منابر مغلقة تخشى النقاش، ومن يمنع سماع الحقيقة «منزوعة الأنياب» على الشاشة، قد يضطر لمواجهتها لاحقاً كاملة وتفرض عليه فرضاً، لكن خارج الاستوديو.

الوطن