انتقلت الخلافات بين الولايات المتحدة وكندا من جداول الرسوم الجمركية وقواعد التجارة إلى أسماء الأماكن والرموز الوطنية، في فصل جديد من توتر متصاعد بين الجارين، أحدث حلقاته دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه إطلاق اسم “بحيرة أميركا” على بحيرة أونتاريو في خطوة واجهت رفضاً كندياً.
هذا التطور جاء على وقع تعثر المحادثات التجارية بين واشنطن وأوتاوا، بعد ثلاثة أيام من المفاوضات المكثفة التي انتهت بانهيارها، وسط تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن اخفاقها، وكان ملف الرسوم على السيارات والشاحنات وقطع الغيار من أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين.
وصعّد ترامب الضغوط بإقرار رسوم بنسبة 50 بالمئة على نحو 20 مليار دولار من السلع الكندية، فيما أعلنت أوتاوا رسوماً مقابلة بقيمة مماثلة تدخل حيز التنفيذ في الثامن من أيلول المقبل.
وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس الأميركي مضاعفة الرسوم الجمركية لتصبح 50 بالمئة على السيارات والشاحنات وقطع الغيار الكندية اعتباراً من مطلع العام المقبل إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وتحظى صناعة السيارات بحيز واسع من الاهتمام في المواجهة الحالية بين الطرفين، وفي هذا الإطار، أكد السفير الكندي لدى واشنطن مارك وايزمان أن أي اتفاق تجاري مقبل يجب أن يضمن بقاء قطاع قوي لتجميع السيارات وصناعة قطع الغيار في كندا، قائلاً: “الحفاظ على قطاع قوي لتجميع السيارات وقطع الغيار في كندا أمر بالغ الأهمية”.
وردّت أوتاوا إضافة إلى ما سبق بمسار رمزي، إذ بدأ مجلس مدينة أوتاوا بحث تغيير اسم “شارع ترامب” الذي يحمل اسم الرئيس الأميركي منذ نحو 25 عاماً، وتضم المقترحات أسماء مثل “شارع أونتاريو” و” شارع كندا”، إلى جانب مقترحات ساخرة تعكس حجم التوتر السياسي.
وتضفي هذه الخطوة على الخلاف بعداً يتعدى المفاوضات، فاسم الشارع، مثل اسم البحيرة، يتحول إلى مساحة للتعبير عن الموقف السياسي، في وقت تتراجع فيه مساحة التوافق بين بلدين ارتبط اقتصادهما لعقود بشبكة واسعة من سلاسل الإنتاج والتجارة.
ولا بد من الإشارة إلى أن ترامب كان ربط طرحه بشأن بحيرة أونتاريو بالتوتر مع أونتاريو، قائلاً إنه لا يتوقع “القيام بالكثير من الأعمال التجارية مع أونتاريو بعد الآن”، في المقابل، قلّل مسؤولون كنديون من أهمية الخطوة، في حين أكد رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد أن اقتصاد المقاطعة يجعلها شريكاً تجارياً رئيساً للولايات المتحدة.
في كندا، تبدو المعركة الرمزية مرتبطة أيضاً بمحاولة تثبيت رواية مختلفة عن العلاقة مع واشنطن، فرئيس الوزراء مارك كارني قال إن البحيرة ستبقى بالنسبة إلى الكنديين “بحيرة أونتاريو”، في إشارة إلى رسوخ الاسم في الذاكرة والتاريخ الكنديين.
وبهذا الصدد، يرى مراقبون ان الأسماء تبقى في نهاية المطاف انعكاساً للخلاف وليست جوهره، فإعادة تسمية شارع أو بحيرة قد تحمل رسالة سياسية واضحة، لكنها لا تحسم مصير الرسوم ولا مستقبل صناعة السيارات ولا قواعد التجارة بين الجانبين.
ولذلك، تبدو “حرب التسميات” مؤشراً إلى عمق الخلاف أكثر مما تبدو سبباً فيه، إذ كلما ضاقت مساحة التفاهم في ملفات الاقتصاد والتجارة، اتسعت مساحة الرموز في الخطاب السياسي.
وربما كان تحذير عضو مجلس أوتاوا تيم تيرني في محله حين دعا إلى عدم السماح لجدل الأسماء بأن يحجب القضايا الأكبر، قائلاً إن التركيز يجب أن ينصب على “التجارة والتعريفات الجمركية”، لا على ما وصفه بأنه تشتيت للانتباه عنها.
أسرة التحرير









