تأتي إعادة افتتاح السفارة السورية في طرابلس ضمن مسار أوسع تعمل دمشق من خلاله على إعادة تنشيط حضورها في محيطها الإقليمي، وفتح قنوات التواصل مع الدول العربية على أسس أكثر انتظاماً، ما يتيح الانتقال بالعلاقات من الاتصالات المتفرّقة إلى أطر مؤسساتية قادرة على متابعة الملفات المشتركة ومعالجتها.
في هذا المسار، تأتي العلاقات السورية–الليبية بما شهدته خلال الفترة الماضية من خطوات متبادلة، لتعكس رغبة لدى البلدين في دفع التعاون إلى مستوى أكثر انتظاماً، فقد أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا عبد الحميد الدبيبة، خلال لقائه الرئيس أحمد الشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي عام 2025، “دعم ليبيا الثابت لسوريا”، فيما اتفق الجانبان على تفعيل اللجنة العليا الليبية–السورية المشتركة، وتعزيز التعاون في مجالات متعددة، إلى جانب تنظيم أوضاع السوريين المقيمين في ليبيا.
وقابلت دمشق ذلك باهتمام واضح في تطوير هذه العلاقة، سواء عبر التواصل السياسي أم التحرك القنصلي المباشر، وجاء في هذا الاطار لقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني القائم بأعمال سفارة ليبيا وليد حسن عمار قبل ايام، حيث تناول البحث «العلاقات الثنائية بين سوريا وليبيا، وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين»، ما يؤشر إلى وجود مسار متدرّج لإعادة بناء قنوات العمل بين الجانبين.
ويحضر البعد الخدمي للسفارات بوصفه أحد أهم وجوه عودة المؤسسات الدبلوماسية إلى نشاطها، فإعادة افتتاح السفارة السورية في طرابلس تعني، بشكل لا لبس فيه، استعادة نافذة مباشرة للسوريين في ليبيا لإنجاز معاملاتهم ومتابعة أوضاعهم القانونية والقنصلية، بدلاً من ترك هذه الاحتياجات رهناً بالإجراءات المؤقتة أو الزيارات المحدودة.
وهذا ما عكسته التحركات السورية خلال عام 2025، عندما أوفدَت وزارة الخارجية وفداً تقنياً إلى ليبيا لتسوية الأوضاع القانونية للسوريين، وقدّمت “مجموعة من الخدمات القنصلية العاجلة مجاناً”، ريثما يتم افتتاح السفارة والقنصلية في بنغازي، كما شكّل قرار الحكومة الليبية إعفاء السوريين من الرسوم والغرامات المستحقة لتسوية أوضاع الإقامة، حتى نهاية عام 2025، خطوة عملية ساعدت في تخفيف أعباء عن أبناء الجالية.
وتظهر هذه الوقائع، في مجموعها، أن استعادة السفارة دورها ووظيفتها لا تنفصل عن شبكة العلاقات التي يجري وصل حلقاتها بين دمشق وطرابلس، فالحضور الدبلوماسي هنا يلتقي مع التواصل السياسي، ويتكامل معه العمل القنصلي، لتتحول السفارة من عنوان للتمثيل الرسمي إلى أداة يومية لمعالجة مشكلات المواطنين، ومتابعة مصالحهم، وفتح قنوات أكثر استقراراً بين البلدين.
ومن هذه الرؤية، تبدو إعادة تفعيل البعثات السورية في الخارج، ولا سيما في ليبيا، جزءاً من استعادة الدور الطبيعي للمؤسسات، ومنح العلاقات العربية–العربية قنوات عمل أكثر انتظاماً، ما يخدم المصالح المشتركة ويضع شؤون المواطنين في صلب الحركة الدبلوماسية، كما أنها تأتي محطة مهمة في استكمال مسار تعزيز العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة على أسس واضحة من التوازن والاتزان بعيداً عن منطق التكتلات او الأحلاف.
أسرة التحرير









