لا شك في أن التحركات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي تشهدها سوريا باتت تشكل مؤشراً واضحاً إلى تحوّل تدريجي في موقع دمشق الإقليمي والدولي، وعلى إعادة تموضع سوريا ضمن خرائط التأثير السياسي والاقتصادي في المنطقة، فالتوازي بين الوفود الدولية التي تزور دمشق، والانفتاح العربي المتسارع، والحضور السوري المتزايد في المحافل الأوروبية والدولية، يعكس حقيقة سياسية آخذة بالترسخ يمكن قراءتها بأن سوريا عادت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط.
اللافت في المشهد الحالي أن الحراك لا يأتي من محور واحد، بل من عدة اتجاهات متزامنة وفي هذا الإطار يأتي وصول وفد يضم ممثلين عن 23 دولة مانحة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى سوريا، في خطوة تتجاوز البعد الإغاثي التقليدي نحو محاولة إعادة تنظيم العمل الإنساني وربطه بالتعافي المبكر والتنمية المستدامة، هذه الزيارة تحمل دلالة سياسية مهمة، إذ تعكس انتقالاً تدريجياً في النظرة الدولية إلى سوريا من ساحة أزمة مفتوحة إلى دولة يجري البحث في كيفية إعادة استقرارها ومؤسساتها.
في هذا السياق، جاء أيضاً انعقاد المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في دمشق ليؤكد أن الاقتصاد بات البوابة الأوسع للانفتاح على سوريا، فالحضور الوزاري الرفيع من الجانبين، ومشاركة رجال أعمال ومستثمرين من قطاعات استراتيجية كالتكنولوجيا والطاقة والسياحة والبنية التحتية، يكشف أن هناك إدراكاً متزايداً لأهمية السوق السورية وموقعها الجغرافي ودورها المستقبلي في مشاريع الربط الإقليمي وإعادة الإعمار.

والإمارات، عبر هذا المنتدى، لا تتحرك فقط من زاوية الاستثمار المباشر، بل من زاوية قراءة استراتيجية أوسع ترى في استقرار سوريا ضرورة لاستقرار الإقليم بأكمله، وخصوصاً مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة على مستوى الاقتصاد والطاقة والنقل والتكامل اللوجستي.
في المقابل، فإن الحراك السوري الخارجي يحمل أبعاداً لا تقل أهمية، إذ إن مشاركة وزير الخارجية أسعد الشيباني في بروكسل ضمن جلسات الحوار السياسي رفيع المستوى مع الاتحاد الأوروبي تمثل تطوراً سياسياً لافتاً، لأنها تعني أن قنوات التواصل الأوروبية مع دمشق لم تعد محصورة بالملفات الإنسانية أو الأمنية الضيقة، بل بدأت تتجه نحو نقاشات سياسية أوسع مرتبطة بالتعافي وإعادة بناء العلاقات.
وإلى لاهاي، فقد بدا النشاط السوري أكثر عمقاً وحساسية، فسلسلة اللقاءات التي أجراها وزير العدل مظهر الويس مع مسؤولين هولنديين وأوروبيين، ومع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ووكالة “يوروجست” ومنظمات دولية معنية بالعدالة وسيادة القانون، على مدى أيام تعكس سعياً سورياً لإعادة بناء قنوات التعاون القضائي والقانوني مع المؤسسات الأوروبية والدولية.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يتجاوز البعد الرمزي؛ إذ إن إعادة الانخراط في ملفات التعاون القضائي ومكافحة الجريمة العابرة للحدود والتنسيق القانوني الدولي، قد تفتح الباب تدريجياً أمام إعادة دمج سوريا في منظومات تعاون دولية كانت مجمدة سنوات طويلة.
كل هذه المؤشرات توحي بأن سوريا تدخل مرحلة مختلفة عنوانها الأساس الانتقال من إدارة الأزمة إلى استعادة الدور، فدمشق تدرك أن موقعها الجغرافي، وثقلها السياسي، وتشابك ملفاتها مع قضايا الأمن والطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب، يجعل تجاهلها أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة للمنطقة والعالم.
ورغم أن التحديات لا تزال كبيرة، إلا أن الحراك الحالي يكشف بوضوح أن سوريا لم تعد على هامش الأحداث، بل بدأت تستعيد تدريجياً موقعها دولة مؤثرة في توازنات الإقليم، وشريك لا يمكن تجاوز حضوره في أي ترتيبات مستقبلية تخص المنطقة.
الوطن – أسرة التحرير








