في كلمته خلال منتدى الشراكة في بروكسل، قدّم وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني خطاباً سياسياً يمكن قراءته بوصفه محاولة لإعادة تعريف موقع سوريا في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، بعيداً عن منطق الإملاءات أو الاستقطاب الحاد الذي طبع السنوات الماضية.
جوهر الرسالة لم يكن، وفق ما أفادت مصادر سياسية متابعة، اقتصادياً بقدر ما هو سياسي بامتياز، فالتأكيد على أن سوريا لا تطلب من أحد إدارة مستقبلها يعكس إصراراً على تثبيت مبدأ السيادة قاعدةً لأي انخراط دولي، وهذا الطرح لا يأتي بمعزل عن السياق، بل يندرج ضمن مسعى أوسع لإعادة صياغة العلاقة مع أوروبا على أساس توازن المصالح، لا على قاعدة الشروط المسبقة التي كانت تعوق أي تقدم فعلي.
بموازاة ذلك، لم يتجاهل الخطاب ضرورة تقديم إشارات تطمين، وهنا فإن الحديث عن تحسين المؤسسات وتعزيز الشفافية يندرج ضمن طرق معالجة أحد أبرز هواجس الأوروبيين، أي بيئة العمل السياسي والاقتصادي داخل سوريا، وبالتالي فإن الشيباني جمع بين خطاب السيادة ومتطلبات الانفتاح، وهو توازن دقيق يهدف إلى فتح الباب أمام التعاون من دون تقديم تنازلات سياسية.

كما أن الربط بين استقرار سوريا واستقرار أوروبا يحمل، حسب المصادر، بعداً “براغماتياً” واضحاً، إذ إن الوزير لم يكتفِ بعرض احتياجات بلاده، بل أعاد صياغتها كجزء من مصلحة أوروبية مباشرة، سواء في ما يتعلق بالهجرة أم الأمن الإقليمي، وهذه المقاربة تعكس فهماً لطبيعة أولويات أوروبا، ومحاولة لتقاطع المصالح بدل الاكتفاء بخطاب طلب الدعم.
ومن اللافت أيضاً التأكيد على أن التحول في سوريا هو نتاج مسار داخلي، في رسالة موجهة إلى الخارج بأن أي تغيير لن يكون نتيجة ضغوط، بل نتيجة ديناميات وطنية، وهذا الطرح يسعى، وفق المصادر المتابعة، إلى سحب الذرائع من أي تدخل سياسي، وفي الوقت ذاته يمنح الحكومة مساحة أوسع للمناورة ودوراً أكثر فاعلية.
مع ذلك، يبقى التحدي الأبرز، كما ترى المصادر، في ترجمة هذا الخطاب إلى خطوات ملموسة، فالأوروبيون سيبحثون عن مؤشرات عملية تتجاوز اللغة الدبلوماسية، بينما تحتاج دمشق إلى إثبات قدرتها على تحويل التعهدات إلى سياسات “قابلة للقياس”، وبين هذين المسارين، تتحدد فرص نجاح هذا الانفتاح.
في المحصلة، يعكس خطاب الشيباني انتقالاً من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، لكنه انتقال مشروط بقدرة الطرفين على بناء ثقة متبادلة، وهي مهمة لا تتحقق بالتصريحات وحدها، بل عبر مسار طويل من الاختبارات السياسية والعملية.
الوطن – أسرة التحرير








