لم يكن انعقاد المنتدى الاستثماري السوري–الإماراتي الأول في دمشق، حدثاً اقتصادياً عابراً في روزنامة المؤتمرات العربية، بل بدا أشبه بإعلان رسمي عن دخول سوريا مرحلة جديدة تحاول فيها الانتقال من اقتصاد الصمود إلى اقتصاد إعادة البناء، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.
في قاعات المنتدى، لم تكن لغة الأرقام وحدها حاضرة، بل حضرت أيضاً لغة المصالح الكبرى، والتحولات الاقتصادية العميقة التي بدأت تفرض نفسها على المشهد السوري. رجال أعمال، وفود استثمارية، وشركات إماراتية عملاقة تدرس الدخول إلى السوق السورية… مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل مؤجلاً سنوات: هل بدأت سوريا فعلاً استعادة موقعها على خريطة الاستثمار الإقليمي؟
الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي يرى أن أهمية المنتدى تتجاوز بكثير فكرة اللقاءات البروتوكولية أو التفاهمات النظرية، معتبراً أن ما يجري اليوم يمثل “منصة عملية للانتقال من مرحلة الاستقرار إلى مرحلة البناء والتنمية الشاملة”.

ويقول كويفي إن المنتدى يحمل أبعاداً سياسية واجتماعية واقتصادية متداخلة، إلا أن البعد الاقتصادي يبدو الأكثر وضوحاً وتأثيراً، وخاصة مع الحديث عن فتح بوابة واسعة أمام الاستثمارات الإماراتية والخليجية للدخول إلى السوق السورية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مشاريع كبرى تعيد تحريك عجلة الإنتاج وتستوعب آلاف فرص العمل.
اللافت في المنتدى، وفق كويفي، ليس فقط حجم الشركات المشاركة، بل نوعية القطاعات المطروحة. فالأمر لم يعد يقتصر على مشاريع تقليدية، بل يمتد إلى إعادة صياغة البنية الاقتصادية نفسها، بدءاً من التطوير العمراني وصولاً إلى الطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
ويشير إلى وجود اهتمام من شركات إماراتية كبرى مثل إعمار وMAG وإيغل هيلز ومجموعة الحبتور بتنفيذ مشاريع ضخمة بمليارات الدولارات داخل سوريا، موضحاً أن هذه المشاريع يمكن أن تشكل نقطة تحول حقيقية في ملف إعادة الإعمار، ولا سيما في المناطق الحيوية التي تعرضت لدمار واسع خلال السنوات الماضية.
لكن الرهان الاقتصادي، وفق كويفي، لا يتوقف عند الإسمنت والأبراج والمجمعات التجارية. فالأولوية اليوم، كما يقول، تتجه أيضاً نحو قطاع الطاقة، باعتباره العصب الحقيقي لأي عملية تعافٍ اقتصادي. ويؤكد أن النقاشات داخل المنتدى تناولت فرص الاستثمار في الطاقة المتجددة والبنية التحتية، وهي ملفات تعد ملحة لإعادة تشغيل الصناعة السورية وتحفيز الإنتاج المحلي.
وفي ملف الأمن الغذائي، يرى كويفي أن المنتدى يحمل فرصة استراتيجية لسوريا للاستفادة من الخبرات الإماراتية في إدارة سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية الزراعية، بما يسمح بإعادة تسويق المنتجات الزراعية السورية في الأسواق الخليجية والعالمية عبر مراكز التصدير الكبرى في دبي وأبوظبي.
ويضيف أن التركيز على التكنولوجيا والتحول الرقمي يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاقتصاد الحديث لم يعد قائماً فقط على الموارد التقليدية، بل على سرعة الخدمات وكفاءة الأنظمة الرقمية. ومن هنا، تسعى سوريا –وفق كويفي– للاستفادة من التجربة الإماراتية في حوكمة الاستثمار والخدمات المالية الرقمية، وتطوير بيئة أعمال أكثر مرونة عبر تبسيط الإجراءات الإدارية وتفعيل نموذج النافذة الواحدة.
ويعد الباحث الاقتصادي أن المنتدى يحمل في جوهره رسالة سياسية واقتصادية للمجتمع الدولي مفادها أن سوريا بدأت تستعيد تدريجياً جاذبيتها وجهة استثمارية، مستندة إلى حزمة من الإصلاحات المالية والضريبية التي أطلقتها الحكومة ضمن استراتيجية 2026– 2030 لتحسين البيئة الاستثمارية واستقطاب رؤوس الأموال.
كما أن إعادة تنشيط قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، وفق كويفي، تمثل جزءاً أساسياً من عملية التعافي الاقتصادي، وخاصة مع بحث زيادة الرحلات الجوية والتعاون التجاري، الأمر الذي من شأنه تحريك التجارة البينية وإعادة الحياة إلى المشاريع السياحية المتوقفة، وهي قطاعات قادرة على رفد الاقتصاد السوري بقطع أجنبي سريع وتحسين ميزان المدفوعات.
ورغم التحديات الكبيرة التي لا تزال تواجه الاقتصاد السوري، إلا أن المنتدى –كما يصفه كويفي– قد يكون “حجر الزاوية” في بناء شراكة تنموية طويلة الأمد بين دمشق وأبوظبي، تقوم على تبادل الخبرات والمصالح الاقتصادية، وتفتح الباب أمام إعادة دمج سوريا تدريجياً في المنظومة الاقتصادية العربية والدولية.








