شكّل الإعلان عن تبادل السفراء بين سوريا وفرنسا تتويجاً لمسار سياسي تدرج بهدوء خلال الأشهر الماضية، وانتقل من اختبار النيات إلى بناء الثقة، قبل أن يصل إلى مرحلة الإعلان عن شراكة أكثر اتساعاً، وفي هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق لتعكس قناعة فرنسية بأن سوريا دخلت مرحلة جديدة تستوجب مقاربة مختلفة، تقوم على الانخراط المباشر بدلاً من إدارة العلاقة عن بعد.
منذ تولي القيادة السورية الجديدة مسؤولياتها، كانت فرنسا من أوائل الدول الأوروبية التي اختارت فتح قنوات الحوار السياسي مع دمشق، محافظة في الوقت نفسه على حضورها داخل الاتحاد الأوروبي في النقاش المتعلق بمستقبل سوريا، وهذا الانخراط جاء نتيجة إدراك متزايد بأن التغيرات التي شهدتها البلاد، إلى جانب التغيرات الإقليمية، فرضت إعادة تقييم للسياسات السابقة، والانتقال نحو مقاربة أكثر ارتباطاً بالوقائع الجديدة.
ولهذا بدت عبارة الرئيس أحمد الشرع: “لقاؤنا اليوم يشكل علامة تاريخية فارقة” توصيفاً لمرحلة كاملة، أكثر منها وصفاً لزيارة رسمية، فالحديث عن “إعلان إطار تعاون شامل” وعن “رزمة استراتيجية من الاتفاقيات والعقود مع كبرى الشركات الفرنسية” يشير إلى أن العلاقات لم تعد محصورة في إعادة التمثيل الدبلوماسي، وإنما تتجه نحو تأسيس مصالح متبادلة تمنح هذه العلاقة عناصر الاستمرار والاستقرار.

على ضفة موازية، حمل خطاب الرئيس ماكرون رسائل لا تقل أهمية، فعندما أكد أن “فرنسا ملتزمة بسوريا حرة ذات سيادة”، وأنها “ترفض دعوات التقسيم”، فإنه وضع الموقف الفرنسي ضمن إطار سياسي واضح يؤكد وحدة الدولة السورية باعتبارها المدخل الضروري لأي استقرار مستقبلي، وتزداد أهمية هذه الرسالة في ظل استمرار محاولات فرض وقائع ميدانية أو سياسية تتعارض مع مفهوم الدولة الموحدة.
ولا تبدو هذه المواقف، كما ترى مصادر متابعة في دمشق، منفصلة عن قراءة فرنسية أوسع لمشهد المنطقة، فباريس تدرك أن استعادة الدولة السورية دورها ومؤسساتها تمثل عنصراً أساسياً في إعادة التوازن إلى المشرق، وأن استمرار الفراغ أو الانقسام لن ينتج سوى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، ومن هنا جاء التأكيد الفرنسي المتكرر على وحدة الأراضي السورية، بوصفها قاعدة سياسية لا يمكن تجاوزها عند البحث في مستقبل البلاد.
وعدت المصادر أن اللافت هو أن المؤتمر الصحفي لم يقتصر على الملفات الثنائية، بل رسم مساحة واسعة من التوافق حول قضايا الإقليم، إذ جاء الموقف المشترك الرافض للانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية ليؤكد أن باريس تنظر إلى احترام سيادة الدول بوصفه شرطاً أساسياً لاستقرار المنطقة، بينما أعاد تأكيد دمشق على ضرورة العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 إبراز تمسكها بالمرجعيات القانونية الدولية في معالجة هذا الملف.
وفي الملف اللبناني، عكس توافق الجانبين على دعم استقرار لبنان وسيادة مؤسساته إدراكاً مشتركاً بأن أمن المشرق لم يعد قابلاً للتجزئة، وأن استقرار الدول المجاورة بات جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، وهو ما يمنح الحوار السوري الفرنسي بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية إلى مقاربة أوسع لقضايا المنطقة.
كما أن الإعلان عن الاتفاقيات مع الشركات الفرنسية يحمل، حسب المصادر المتابعة، دلالة سياسية لا تقل عن دلالته الاستثمارية، فعودة الشركات الكبرى لا تُبنى على الفرص الاقتصادية وحدها، وإنما تستند إلى تقدير بأن البيئة السياسية تتجه نحو مزيد من الاستقرار، وأن الدولة السورية أصبحت شريكاً يمكن بناء مشاريع طويلة الأمد معه، لذلك فإن الاستثمار هنا يعكس مستوى من الثقة بقدر ما يعكس حسابات السوق.
وفي ملف مكافحة الإرهاب، بدا التقارب أكثر وضوحاً، فقد وصف ماكرون الحرب على الإرهاب بأنها “صعبة”، مؤكداً استعداد بلاده للتعاون في مجالات التدريب وتعزيز القدرات، وهذا يعكس الانتقال من الاكتفاء بتبادل المواقف السياسية إلى الاستعداد لبناء تعاون عملي في أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للطرفين، في ضوء إدراك مشترك بأن خطر التنظيمات المتطرفة لا يقف عند حدود دولة بعينها.
وإذا ما جُمعت هذه الرسائل في إطار واحد، يتضح أن دمشق وباريس لا تعيدان فتح صفحة قديمة، بل تكتبان فصلاً مختلفاً تحكمه معادلات جديدة، فسوريا تسعى إلى توسيع شبكة شراكاتها الدولية انطلاقاً من تثبيت سيادتها واستعادة دورها الإقليمي، بينما ترى فرنسا أن الحضور الفاعل في سوريا يمنحها موقعاً مؤثراً في شرق المتوسط وفي ملفات الطاقة والأمن وإعادة الإعمار.
ومن هذه الزاوية، تبدو زيارة ماكرون إعلانا عن انتقال العلاقة من مرحلة الاستكشاف السياسي إلى مرحلة بناء الشراكة، كما أن الاتفاق على تبادل السفراء لا يمثل نهاية مسار، بل بداية مرحلة سيكون معيار نجاحها قدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات السياسية إلى تعاون عملي يرسخ المصالح المشتركة، ويؤسس لعلاقة أكثر استقراراً.
الوطن – أسرة التحرير








