في ذكرى رحيله، استحضرت وزارة الثقافة، الشاعر والأديب السوري خليل مردم بك (1895–1959)، أحد أبرز أعلام الأدب والثقافة في سورية خلال القرن العشرين، الذي جمع بين الإبداع الشعري والبحث الأدبي، وأسهم في خدمة اللغة العربية والتراث، كما أثرى المكتبة العربية بعدد من المؤلفات والدراسات الأدبية، وتولّى أمانة سر “المجمع العلمي العربي” بدمشق ثم رئاسته، تاركاً إرثاً فكرياً وأدبياً راسخاً في الذاكرة الثقافية، كما ذاع صيته عربياً وعالمياً ولُقّب بـ”شاعر الشام”.
نشأ في بيئة علمية وأدبية عريقة، فتلقى علوم اللغة العربية وآدابها، وبرز شاعراً وباحثاً في الأدب العربي، جامعاً بين الإبداع الشعري والدراسة الأدبية، تميز بإنتاجه الشعري وبحوثه الأدبية والنقدية، وأسهم في دراسة التراث العربي والتعريف بأعلامه، مقدّماً أعمالاً جمعت بين عمق المعرفة وجمال التعبير، وأثرى المكتبة العربية بعدد من المؤلفات والدراسات الأدبية، فألّف سلسلة “أئمة الأدب” التي تناولت سير وأعمال عدد من أعلام الأدب العربي، وأسهم في إحياء التراث الأدبي من خلال تحقيق ونشر دواوين شعرية لعدد من الشعراء القدامى وفق منهج علمي، وظل شعره ودراساته شهوداً على مكانته بين الأدباء السوريين الذين جمعوا بين الأصالة والبحث في قضايا الأدب والمعرفة.
ولِد خليل مردم بك في دمشق القديمة، كان والده أحمد مختار مردم بك رئيساً لبلدية دمشق في نهايات القرن التاسع عشر، فدرس في مدرسة “الملك الظاهر” الابتدائية وتزوّج من السيدة فاطمة الزهراء، حفيدة مُفتي دمشق الشّيخ محمود الحمزاوي.

تبحّر في العلوم الدينية في شبابه عبر الشّيخ عطا الله الكسم، الذي درّسه الفقه الإسلامي، وقرأ على يد المحدّث الأكبر الشّيخ بدر الدين الحسني، الذي تعلّم في كنفه علم الحديث.
شارك خليل مردم بك في تأسيس “الرابطة الأدبية” في آذار 1921 وانتُخب رئيساً لها، وفي عام 1925 انتُخب عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، ليكون أصغر أعضائه، وعند وقوع العدوان الفرنسي على مدينة دمشق يوم 18 تشرين الأول 1925 نظّم مردم بك قصيدة شهيرة بعنوان “يوم الفزع الكبير”، أدت إلى ملاحقته من قبل أجهزة المخابرات الفرنسية ونفيه إلى لبنان ثم إلى مصر وأخيراً إلى إنكلترا، حيث مكث مدة أربع سنوات، درس خلالها في جامعة لندن العريقة.
وبعد عودته إلى سوريا، عمل مدرّساً لمادة الأدب العربي في “الكليّة العلميّة الوطنية” في سوق البزورية، ومساعداً لقسم اللغة العربية فيها، كما شارك في تأسيس “مجلة الثقافة” التي عُطّلت بعد صدور عشرة أعداد منها بأمر من المفوضية الفرنسية العليا في بيروت.
انتُخب أميناً لسر “مجمع اللغة العربية” بدمشق عام 1941 ثم رئيساً له عام 1953 بعد وفاة رئيسه المؤسس محمّد كرد علي، وفي عام 1948 انتُخب عضواً في “مجمع اللغة العربية” في القاهرة وعضو شرف في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية التابعة لجامعة لندن.
عُيّن خليل مردم بك وزيراً للمعارف في حكومة الرئيس حسني البرازي يوم 18 نيسان 1942، وأعيد تسميته وزيراً لذات الحقيبة في حكومة جميل الأُلشي من 8 كانون الثاني 1943 وحتى حتى 25 آذار 1943، وفي 19 نيسان 1949 عُيّن وزيراً للمعارف والصحة في الحكومة الأولى التي شكّلها حسني الزعيم، وأُعيد إلى المنصب نفسه في حكومة محسن البرازي حتى 14 آب 1949، وفي المرة الثالثة والأخيرة أصبح خليل مردم بك وزيراً للخارجية في عهد الرئيس أديب الشيشكلي من 19 تموز 1953 وحتى 25 شباط 1954.
توفي خليل مردم بك في عمر ناهز 64 عاماً يوم 6 حزيران 1959 وأُطلق اسمُه على شارع رئيسي في مدينة دمشق، تكريماً له ولمسيرته الشعرية.
حقق عدداً من الدواوين الشعرية لشعراء كبار مثل ابن المقفع (1930) وابن العميد (1931) والصاحب بن عبّاد (1932)، كما وضع كتاباً مرجعياً عن “الشعراء الشاميّين” صدر بعد وفاته عام 1970.
وصدر كتاب له عن ابن الرومي سنة 1980، أيضاً بعد وفاته وكتاب آخر عن أبي نواس نُشر عام 1985، وقد جمع ابنه الشاعر والكاتب المسرحي عدنان مردم بك بعض أوراقه الرسمية والخاصة وأصدر منها “يوميات الخليل” سنة 1980 و”تقارير الخليل الدبلوماسية” سنة 1982، وفي سنة 1978 نُشر كتابه الشهير عن دمشق والقدس في العشرينيات.
صدرت عدة كتب ودراسات عن خليل مردم بك كان أولها كتاب للمؤلف سامي الدّهان صدر سنة 1959 وتبعه كلّ من “خليل مردم بك رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق: دراسة في حياته ومؤلفاته” لفادية المليح (1991)، و”شاعر الشام خليل مردم بك” لمحمد عبد المنعم الخفاجي (1992) و”خليل مردم بك: حياته وشعره” لمحمد فؤاد نعناع (2000).
تحوّل منزل مردم بك في مدينة دمشق القديمة إلى دار للثقافة والفنون تحت إشراف أحفاده قتيبة ووضاح وحسانة، أولاد عدنان مردم بك.








