لا تكشف نسبة البطالة الرسمية في سورية كامل حجم أزمة سوق العمل فآخر تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2025 تضع البطالة عند 13.6% من قوة العمل وترفع بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً إلى 33.1% فيما تشير مسوح ميدانية حديثة إلى مستويات أعلى بكثير لدى العائدين وخاصة النساء
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر الحسين إن رقم 13.6% يجب التعامل معه بحذر بسبب محدودية وحداثة بيانات سوق العمل السورية مؤكداً أن المؤشرات الميدانية ترسم صورة أكثر صعوبة من الرقم الرسمي.
البطالة خارج الرقم
تظهر دراسات حديثة أن نحو 30% من الأشخاص في سن العمل كانوا بلا عمل ضمن عينات شملت العائدين والمجتمعات المضيفة فيما ارتفعت النسبة إلى 36% بين العائدين من اللاجئين و33% لدى النساء مقابل 28% لدى الرجال كما بقيت فرص العمل الرسمي محدودة عند نحو 6 إلى 7% فقط.
وهنا تتجاوز المشكلة مفهوم البطالة التقليدي لتشمل العمل غير الرسمي والعمل المتقطع والخروج من قوة العمل نتيجة اليأس من العثور على وظيفة.
الشباب الحلقة الأخطر
تبدو بطالة الشباب المؤشر الأكثر إثارة للقلق بعدما سجلت 33.1% في 2025 مقابل 32.8% في 2024 ولا تكمن الخطورة في فقدان الدخل فقط فالبطالة الطويلة في بداية الحياة المهنية تعني فقدان الخبرة والمهارات وتزيد احتمالات الهجرة وتدفع أعداداً أكبر نحو الاقتصاد غير الرسمي.
كما تكشف المؤشرات عن فجوة كبيرة بين الجنسين إذ تظل فرص النساء في سوق العمل أضعف بكثير من الرجال.
اقتصاد فقد قدرته على التوظيف
ترتبط البطالة بانكماش القاعدة الإنتاجية وتضرر الصناعة والزراعة والخدمات والبنية التحتية وتراجع الاستثمار الخاص وضعف الطلب الداخلي.
لكن الأزمة لا تتعلق بعدد الوظائف فقط بل بنوعيتها وتوزيعها فهناك فجوة بين مهارات الباحثين عن العمل واحتياجات الاقتصاد إضافة إلى تفاوت جغرافي بين أماكن وجود قوة العمل ومناطق النشاط والاستثمار.
لا خريطة للبطالة
تفتقر سورية حتى الآن إلى مسح وطني حديث لقوة العمل يسمح بتحديد معدلات البطالة بدقة بين المحافظات وهو نقص يحول دون بناء سياسة تشغيل تستند إلى البيانات.
وتبدو المشكلة أكثر حدة في المناطق التي شهدت دماراً واسعاً ونزوحاً وعودة سكانية وضعفاً في الاستثمار والخدمات بينما يظل العمل اليومي وغير الرسمي ملاذاً رئيساً لشرائح واسعة.
إعادة الإعمار أمام الاختبار
يرى الحسين أن الخطأ سيكون في التعامل مع إعادة الإعمار باعتبارها عملية لإعادة بناء الأصول فقط فالمطلوب تحويلها إلى سياسة تشغيل تبدأ من مشاريع كثيفة العمالة في الطرق والمياه والكهرباء والخدمات وتصل إلى إعادة تشغيل المصانع وربط التمويل والتدريب بعدد الوظائف التي ينتجها كل استثمار.
وتبرز هنا أهمية الصناعات الغذائية والنسيج والملابس والأثاث ومواد البناء والصناعات الزراعية إلى جانب المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها قطاعات قادرة على استيعاب أعداد واسعة من العمالة.
من خفض البطالة إلى خلق الوظائف
المطلوب ليس استهداف رقم منخفض للبطالة فقط بل إعادة بناء اقتصاد قادر على إنتاج وظائف مستقرة ومنتجة وذلك عبر برنامج وطني للمهارات وتمويل المشروعات الصغيرة وضمانات ائتمانية وحوافز استثمار مرتبطة بالتشغيل وإنشاء خريطة وطنية للوظائف تحدد في كل محافظة الباحثين عن العمل ومهاراتهم والقطاعات القادرة على استيعابهم.
الخطر في تجاهل المؤشر
قد تبدو نسبة 13.6% أقل من معدلات البطالة في بعض الدول المجاورة لكنها لا تعني أن سوق العمل السوري في وضع أفضل فضعف المشاركة الاقتصادية واتساع الاقتصاد غير الرسمي وخروج كثيرين من قوة العمل يجعل الرقم الرسمي أقل قدرة على وصف الواقع.
وتكمن الإشكالية الأعمق في أن البطالة لم تعد مجرد نتيجة للانكماش الاقتصادي بل أصبحت تهديداً لمسار التعافي نفسه فإذا لم تتحول إعادة الإعمار إلى محرك فعلي للتشغيل والإنتاج فقد تدخل سورية مرحلة إعادة البناء باقتصاد يعيد بناء المنشآت أسرع مما يعيد بناء فرص العمل.






