المزيد

‫آخر الأخبار:‬

زياد عربش: سوريا ترسم ملامحها كمركز إقليمي واعد للطاقة والتكامل الاقتصادي

‫شارك على:‬
20

عدّ الأكاديمي الدكتور زياد أيوب عربش، أن سوريا اليوم تقف على أعتاب مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية في مشهد يعيد تشكيل خريطة الطاقة في الشرق الأوسط. وبيّن ان سوريا الجديدة ترسم ملامحها كمركز إقليمي واعد للطاقة والتكامل الاقتصادي، لكن الرهان الأكبر يبقى في قدرة الدولة على تحويل هذا الزخم من الاتفاقيات والوعود إلى إنجازات ملموسة على الأرض، في سباقها مع الزمن لتحقيق النهضة الاقتصادية المنشودة.

وبعد مشاركته مؤخراً بورشة عمل قطاع الكهرباء التي نظمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) مع المانحين الدوليين، قال عربش: كنا متفقين تقريباً على أن سوريا اليوم دخلت في سباقها مع الزمن، في مرحلة جديدة من ديناميكيات ما بعد النزاع، حيث لا بد من كسب الرهان للنهوض الاقتصادي، ما دام الجميع في خندق واحد، ولا بد من استغلال كل الفرص مع الشركاء في الإقليم لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الذي نبتغيه، فقد تتابعت الأخبار والزيارات المكوكية في الأيام الأخيرة لعدد من المسؤولين في الإقليم وشركات استثمارية تريد الولوج إلى السوق السورية الواعدة، في مشهد يعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها.

تقرير صندوق النقد الدولي يبعث رسالة ثقة

وأوضح عربش، أنه في تطوّر حمل دلالات عميقة على صعيد الثقة الدولية بالمسار الاقتصادي السوري، كشف صندوق النقد الدولي، في بيانه قبل بضعة أيام عن توقعات بنمو اقتصادي تتجاوز نسبته 10 بالمئة خلال العام الجاري، مع استمرار النمو القوي في عام 2027.

وجاء في تقرير البعثة التي زارت دمشق بفترة 19- 23 تموز الماضي، أن الاقتصاد السوري بدأ بالتعافي في عام 2025 مدفوعاً بتحسّن ثقة المستهلكين والمستثمرين عقب التغيير السياسي، وعودة نحو 1.5 مليون لاجئ، وإعادة اندماج سوريا تدريجياً في الاقتصادين الإقليمي والعالمي.

وارجع الIMF هذا النمو لعدة عوامل وهي: بدء تعافي قطاع الزراعة بتحسّن معدلات هطل الأمطار، وتوسّع إنتاج النفط وتحسّن إمدادات الكهرباء، واستمرار نمو قطاعي التجارة والخدمات، فضلاً عن استمرار عودة اللاجئين والزيادة الكبيرة في أعداد الزوّار.

ورغم هذا التفاؤل، حذر التقرير من أن الفقر لا يزال واسع الانتشار، وأن النمو متفاوت بين المناطق، داعياً إلى مواصلة السياسات المالية والنقدية السليمة.

أما في مجال المالية العامة، فقد أشار الصندوق إلى تحسّن ملحوظ في الأداء، حيث اختتمت الموازنة المركزية لعام 2025 بفائض محدود، ومن المتوقع أن ترتفع الإيرادات بشكل كبير خلال عام 2026، مع تحقيق زيادة ملحوظة في الإيرادات الضريبية والجمركية وإيرادات النفط.

وأكد الصندوق استمرار دعمه الفني للحكومة السورية في مجالات إدارة المالية العامة، وتعبئة الإيرادات، وإصلاح القطاع المصرفي، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ما يسهم في إخراج سوريا من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF).

 استعادة الثروات

ووفق عربش، فإنه في خطوة تعيد ترتيب البيت الداخلي السوري، أعلن المتحدث باسم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) عن تسليم كل مناطق الآبار النفطية والثروات الطبيعية إلى الحكومة السورية، مشيراً إلى أن نسبة الاندماج تجاوزت 70 بالمئة، مع تأهيل 4 ألوية عسكرية للانضمام إلى الجيش العربي السوري.

وجاء هذا الإعلان بعد زيارة مظلوم عبدي الأخيرة إلى دمشق. وذكر عربش أن هذا التطور يعيد للخزينة العامة السورية سيطرتها على أهم مصادر الدخل الوطني، ويمهد الطريق لمرحلة جديدة من التوحيد المؤسسي والأمني.

 شراكة أميركية تعيد تشغيل النفط السوري

وفي مؤتمر صحفي مشترك عقد في حقول الرميلان بمحافظة الحسكة، كشف الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، والرئيس التنفيذي لشركة “إتش كي إن إنرجي” (HKN Energy) الأميركية، عن خطط طموحة لتطوير الحقول باستخدام التقنيات الحديثة، بهدف رفع الإنتاج تدريجياً إلى نحو 200 ألف برميل يومياً. فالإنتاج الحالي يتراوح بين 100 و110 آلاف برميل يومياً، مع هدف طموح للوصول إلى 250 ألفاً بنهاية العام القادم، وصولاً إلى طموح إنتاج مليون برميل يومياً بحلول عام 2030. وحسب عربش فإن “هذا المستوى طموح جداً وقد لا يتحقق”.

وبالفعل باشرت الشركة الأميركية عملها على الأرض منذ شهرين، الأمر الذي عدّه عربش مؤشراً على انفتاح دولي غير مسبوق وعودة الثقة بقطاع النفط السوري، حيث أكد الجانبان على أهمية إشراك الكفاءات الوطنية وأبناء المنطقة في عمليات التشغيل والتطوير، ما يعزز البعد التنموي للمشروع.

 مشروع القرن

وفي تحرك يحمل أبعاداً استراتيجية كبرى، تم توقيع مذكرتي تفاهم في واشنطن بحضور رئيس الوزراء العراقي ووزير الطاقة الأميركي، بإشراف المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك.

المذكرة الأولى مع شركة نفط البصرة لإعادة تأهيل خط أنابيب “الحديثة–بانياس”، والثانية مع ائتلاف دولي يضم شركات “شيفرون وتي آي كابيتال وقطر UCC” لإجراء الدراسات الفنية والمالية.

ووفقاً لما يرشح فالمفاوضات جارية لإنهاء العقد خلال ثلاثة أشهر، على أن تستغرق أعمال الهندسة والترميم ثلاث سنوات على الأكثر.

وبرأي عربش تكمن الأهمية الاستراتيجية للمشروع في كونه بديلاً حيوياً للعراق لتقليل اعتماده على مضيق هرمز (الذي يمر عبره 95 بالمئة من صادراته)، خاصة مع إغلاقه في ظل الحرب الإقليمية.

كما سيعزز المشروع مكانة سوريا كمركز إقليمي للطاقة، حيث تبلغ طاقة الخط المحتملة بين 1.5 ومليوني برميل يومياً. اقتصادياً، سيُدرّ المشروع على سوريا إيرادات عبور سنوية تُقدّر بـ 150-200 مليون دولار، إضافة إلى توفير نفط خام بتكلفة أقل لدعم الصناعة المحلية وإعادة الإعمار، وتحفيز قطاعات التشييد والخدمات اللوجستية، وفق عربش.

التعاون السعودي والخليجي

في موازاة مشروعات النفط والغاز، تشهد العلاقات السورية-السعودية، حسب عربش، نقلة نوعية في قطاع الطاقة المتجددة، إذ تم تحت رعاية وزارتي الطاقة في البلدين، توقيع ثلاث اتفاقيات مع شركة الحرفي السعودية لتنفيذ مشروعات للطاقة الشمسية في منطقة “وديان الربيع” بريف دمشق، بقدرات تصل إلى 274 ميغاواط، مدعومة بأنظمة تخزين بطاريات.

وجاءت هذه الاتفاقيات بعد اجتماع موسع حضره وزير الطاقة محمد البشير ووفد سعودي رفيع ضم وكيل وزارة الطاقة وشركة أكوا باور، لبحث خريطة طريق لمشروعات تطوير قطاع الكهرباء.

أما على صعيد الاستثمارات الخليجية الأوسع، فقد شهدت الساحة السورية تطورات لافتة، حيث تعمل مجموعة بلدنا القطرية على تطوير مشروع زراعي بقيمة 3.3 مليارات دولار في سورية لإنتاج القطن والقمح والمنسوجات.

وفي قطاع الموانئ، وقّعت سورية صفقة بقيمة 800 مليون دولار مع شركة موانئ دبي العالمية (DP World) الإماراتية لتطوير مرفأ طرطوس، في خطوة تهدف إلى تعزيز البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

وأشارت التقارير إلى أن رؤوس الأموال الخليجية، وخاصة السعودية والقطرية، كانت السباقة في التحرك نحو السوق السوري، مع بروز دور مستثمرين من الجالية السورية في الخارج كجسر يربط رؤوس الأموال الدولية بالسوق المحلي.

 تركيا شريك استراتيجي في الطاقة وإعادة الإعمار

في سياق التعاون الإقليمي، لفت عربش الى أن الدور التركي برز كعنصر فاعل في دعم قطاع الطاقة السوري، فقد أعلن وزير الطاقة التركي عن رغبة بلاده في “مضاعفة” صادرات الكهرباء إلى سوريا ثلاثة أضعاف لتصل إلى حوالي 1000 ميغاواط في الأشهر المقبلة، إضافة إلى خطط لبدء تصدير الغاز إلى حلب وحمص بحجم يقارب ملياري متر مكعب سنوياً، في إطار اتفاقية تعاون طاقي شاملة.

وتأتي هذه التحركات في سياق تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أكد استمرار الأعمال المشتركة مع الحكومة السورية في مجالي التعدين والنفط، معتبراً أن بلاده عازمة على تحقيق نجاحات أكبر في قطاع الطاقة، وبلوغ الاستقلال التام في هذا المجال كهدف استراتيجي أسمى.

 تحديات وآفاق

ورغم هذا الزخم الإقليمي والدولي، تواجه سوريا تحديات كبيرة في سباقها مع الزمن، وفق عربش، الذي لفت إلى أن إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس تتطلب استثمارات تقدر بين 6-8 مليارات دولار، في ظل اقتصادين منهكين، كما أن البنية التحتية المتآكلة، والمخاطر الأمنية التي تهدد استهداف خطوط الطاقة، إضافة إلى الحاجة لضمانات قانونية واستثمارية جاذبة، كلها عوامل تحتاج إلى معالجة حازمة.

وأكد خبراء الاقتصاد، حسب عربش، أن نجاح هذه المشروعات الطموحة مرهون بتحقيق الاستقرار السياسي المستدام، وتوفير ضمانات أمنية لحماية الاستثمارات، وتوقيع عقود طويلة الأجل تضمن العائدات وتوفر الاستقرار المالي.

وقال الأكاديمي عربش: إن “سوريا تقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية في مشهد يعيد تشكيل خريطة الطاقة في الشرق الأوسط. فمن حقول الرميلان إلى خط كركوك-بانياس، ومن مشروعات الطاقة الشمسية مع السعودية إلى صفقات الموانئ مع الإمارات والتعاون الطاقي مع تركيا وقطر، ترسم سوريا الجديدة ملامحها كمركز إقليمي واعد للطاقة والتكامل الاقتصادي”.

لكن الرهان الأكبر يبقى، من وجهة نظر عربش، على قدرة الدولة السورية على تحويل هذه الزخم من الاتفاقيات والوعود إلى إنجازات ملموسة على الأرض، في سباقها مع الزمن لتحقيق النهضة الاقتصادية المنشودة.

الوطن – أسرة التحرير