حصلت سوريا على منحة جديدة بقيمة 100 مليون دولار أمريكي من البنك الدولي لدعم إصلاحات القطاع المالي، في خطوة تستهدف تحديث البنية التحتية المالية وتعزيز قدرات مصرف سوريا المركزي، ضمن مسار أوسع لإعادة بناء المؤسسات المالية ودعم التعافي الاقتصادي.
وصف حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان المنحة بأنها محطة مهمة في مسار تطوير البنية المالية والمصرفية، وخطوة أساسية نحو بناء قطاع مالي حديث يواكب أفضل المعايير والممارسات الدولية.
وأوضح رسلان أن المشروع سيسهم في تحديث أنظمة المدفوعات، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، ورفع كفاءة القطاع المصرفي، إلى جانب تطوير منظومة الرقابة والنزاهة المالية، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحسن بيئة الاستثمار، ويوفر خدمات مالية أكثر كفاءة وأماناً للمواطنين وقطاع الأعمال.
كما أعرب حاكم المصرف المركزي عن تقديره لمجموعة البنك الدولي على هذه الشراكة، ولإدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين، وفرق العمل في مصرف سوريا المركزي وجميع المؤسسات الوطنية الشريكة، مثمناً جهودها في إنجاز إجراءات الحصول على المنحة.

وأكد أن هذه الخطوة تمثل مرحلة جديدة في مسيرة الإصلاح والتحديث، وأن العمل سيستمر لبناء قطاع مالي متطور يعزز الثقة، ويدعم النمو الاقتصادي، ويسهم في إعادة اندماج سوريا في النظام المالي العالمي.
من جانبه أكد وزير المالية محمد يسر برنية أن هذه المنحة هي الخامسة التي يوافق عليها البنك الدولي لمصلحة سوريا، بعد منح سابقة خُصصت لقطاعات الكهرباء والصحة والمياه والإدارة المالية العامة، ليرتفع بذلك إجمالي المنح المعتمدة حتى الآن إلى 491 مليون دولار أمريكي.
وأوضح برنية أن العمل جارٍ أيضاً على إعداد مشاريع منح إضافية تستهدف قطاعات التعليم والزراعة والنقل والنفايات الصلبة والحماية الاجتماعية، بما يدعم جهود التعافي والتنمية المستدامة، مشدداً على أن هذه المنح غير مستردة وليست قروضاً، وأن التزام الحكومة يتمثل في حسن التنفيذ والإدارة المالية الرشيدة بما يحقق أهدافها التنموية ويعزز فرص الحصول على برامج دعم وتمويل تنموي إضافية مستقبلاً.
ليس مجرد تمويل
رأى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة في حديثه للوطن، أن دور السياسة النقدية في مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي لا يقتصر على إدارة الكتلة النقدية، بل يمتد إلى بناء أسس النظام المالي نفسه.
وأكد أن منحة البنك الدولي البالغة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري تمثل إشارة بالغة الأهمية، لأنها ليست مجرد تمويل، وإنما استثمار في البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد، كما تعد اعترافاً بضرورة الانتقال من قطاع مصرفي هش يعاني فجوة ثقة وهيمنة الاقتصاد النقدي إلى نظام وساطة مالية فعّال يحفز النمو عبر تحسين أنظمة الدفع والرقابة، معتبراً أنها تشكل حجر الزاوية في عملية طويلة ومعقدة لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
أثر تحويلي على القطاع المصرفي
وأوضح محمد أن الأثر العملي المتوقع للمشروع سيكون تحويلياً على عدة مستويات مترابطة، إذ سيسهم في تحديث أنظمة المدفوعات من خلال إنشاء نظام تسوية إجمالية فورية ونظام مقاصة آلي، بما ينهي عصر المعاملات الورقية بين المصارف ويقلص زمن التحويلات من أيام إلى لحظات، الأمر الذي يحرر سيولة بملايين الدولارات كانت عالقة.
كما سيؤسس لبنية تحتية رقمية تتيح توسيع الشمول المالي عبر الدفع باستخدام الهاتف المحمول، بما يدمج شرائح واسعة في النظام المالي الرسمي ويخفض تكاليف طباعة النقد وإدارته.
وأضاف إن المشروع سيطور أيضاً منظومة الرقابة المصرفية عبر الانتقال من الرقابة الورقية إلى الرقابة الإلكترونية المعتمدة على تحليل البيانات بشكل فوري، ما يمكن المركزي من اكتشاف مواطن الخلل في وقت مبكر، إلى جانب بناء أنظمة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل المعاملات، وهو ما يعد شرطاً أساسياً لاستعادة العلاقات مع البنوك المراسلة العالمية وضمان تنفيذ التحويلات الدولية بسلاسة.
نتائج تدريجية للمواطنين والشركات
ونوه أستاذ التمويل والمصارف بانعكاسات المشروع على المواطنين والشركات والتي ستظهر على مرحلتين، ففي المدى القصير، الممتد من عدة أشهر وحتى سنتين، ستكون المكاسب الأساسية خلف الكواليس، من خلال تحسين أداء غرف المقاصة وتسريع العمليات المصرفية، ولذلك لن يلمس المواطن تغيراً كبيراً بصورة مباشرة، بينما ستستفيد الشركات الكبرى من تسريع التحويلات بين حساباتها، مع إمكانية طرح منتجات محدودة مثل بطاقات دفع إلكتروني أكثر كفاءة.
أما على المدى الطويل، الممتد بين ثلاث وخمس سنوات وما بعدها، فيرى محمد أن التحول الحقيقي سيظهر عبر وصول خدمات مالية رقمية متكاملة إلى الفئات غير المتعاملة مع المصارف، بحيث لن يكون المواطن بحاجة إلى زيارة الفرع المصرفي، إذ ستتيح المحافظ الإلكترونية على الهواتف المحمولة تنفيذ معظم التعاملات اليومية دون الاعتماد على السيولة النقدية.
كما سيمنح تكامل أنظمة الفوترة والتحصيل الرقمي الشركات نقلة نوعية في إدارة تدفقاتها النقدية والانخراط في التجارة الإلكترونية، مؤكداً أن المشروع يمثل “ماراثوناً” طويل الأمد لا تظهر ثماره إلا بعد بناء الثقة بالتوازي مع بناء التكنولوجيا.
تحديات النجاح ومتطلبات الإصلاح
ويرى محمد إلى أن نجاح المشروع يواجه ثلاثة تحديات رئيسة تتمثل في فجوة المهارات ورأس المال البشري، إذ تحتاج البنية التحتية الرقمية إلى كوادر قادرة على إدارتها وحمايتها من الهجمات السيبرانية، بينما تشكل هجرة الكفاءات عائقاً حقيقياً أمام ذلك.
كما أشار إلى أن أي نظام دفع رقمي يعتمد بصورة أساسية على توافر بنية تحتية مستقرة للاتصالات والكهرباء، وأن أي انقطاع أو خلل سيقوض ثقة المستخدمين سريعاً.
وأضاف إن التحدي الأصعب يتمثل في الثقافة النقدية السائدة وانعدام الثقة، إذ إن إقناع المواطنين والمستثمرين الذين اعتادوا التعامل النقدي بالانتقال إلى النظام الرقمي يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.
وأكد أن نجاح الإصلاحات يتطلب أيضاً وجود إطار قانوني حديث ينظم التعاملات الإلكترونية ويحمي البيانات الشخصية، إلى جانب ترسيخ الحوكمة والاستقلالية الفعلية للمصرف المركزي لضمان أن تستند الرقابة إلى أسس فنية ومصرفية سليمة.
كما شدد على أهمية إدارة التغيير عبر إطلاق برامج توعية وتعليم مالي للمواطنين والعاملين في القطاع، فضلاً عن ضمان استقرار الكهرباء والاتصالات وبناء منظومة قوية للأمن السيبراني قادرة على حماية النظام المالي من الهجمات الإلكترونية.
هل تعود المصارف إلى الإقراض؟
وفيما يتعلق بإمكانية عودة المصارف إلى أداء وظيفتها الأساسية في الإقراض، أوضح محمد أن المشروع لن يحقق ذلك بصورة مباشرة أو فورية، لأن بناء أنظمة الدفع والرقابة يوفر الممكنات التقنية للإقراض، لكنه لا يخلق الدوافع اللازمة له.
وأشار إلى أن استئناف النشاط الائتماني يتطلب توافر بيئة مستقرة يمكن قياس مخاطرها، تشمل استقرار سعر الصرف والاقتصاد الكلي، إضافة إلى توافر ملاءة مالية وجودة ائتمانية للمقترضين من خلال بيانات مالية مدققة وتاريخ ائتماني واضح، وهو ما سيساعد المشروع في بنائه، فضلاً عن وجود ضمانات حقيقية تستند إلى تشريعات تتيح تنفيذ الضمانات بسرعة عبر نظام قضائي فاعل.
وأكد أن تحديث أنظمة الدفع يعد شرطاً ضرورياً، لكنه غير كافٍ لإعادة تنشيط الإقراض، مشدداً على أن ذلك لن يتحقق دون إصلاحات اقتصادية وقانونية شاملة تعيد الثقة بالاقتصاد.
أنبوبة أوكسجين للنظام المالي
وختم محمد بالقول إن هذه المنحة، بعيداً عن التفاؤل المفرط، تمثل “أنبوبة الأوكسجين” لإحياء قلب النظام المالي السوري، إلا أن المريض لا يزال بحاجة إلى علاج مكثف في بقية أجهزة الاقتصاد الكلي.
ورأى أن نجاح المشروع مرهون بربط العصب الرقمي الجديد بهيكل قانوني واقتصادي سليم، مؤكداً أن التحدي في جوهره ليس تقنياً، وإنما مؤسسي وسياسي يتطلب إرادة إصلاح حقيقية.
وأضاف إن المشروع سيضع سوريا على عتبة النظام المالي الحديث، غير أن عبور هذه العتبة يحتاج إلى استمرار الإصلاحات وبناء الثقة، وهي مهمة وطنية شاقة لم تبدأ بعد بالصورة المثلى.








