المزيد

‫آخر الأخبار:‬

بعد “الدولار الأبيض”.. هل أصبحت “فراطة” الدولار تجارة جديدة؟

‫شارك على:‬
20

وصل “الوطن” خلال الأيام الماضية شكاوى من مواطنين حول امتناع عدد من شركات الصرافة والحوالات، إلى جانب بعض التجار، عن قبول الأوراق النقدية من فئتي 20 و50 دولاراً، أو قبولها مقابل اقتطاع عمولات متفاوتة.

وفي جولة أجرتها “الوطن” على عدد من شركات الصرافة في دمشق، تبيّن وجود تفاوت في التعامل مع هذه الفئات، إذ رفضت بعض الشركات استلامها، فيما وافقت أخرى على قبولها مقابل عمولة، في وقت أكد فيه عاملون في القطاع أن الظاهرة بدأت بسبب سلوك بعض الشركات إلا أنها أصبحت تمتد حتى إلى الزبائن أنفسهم.

وبعد الجدل الذي أثارته سابقاً ظاهرة الاتجار بـ”الدولار الأبيض” وتقاضي عمولات لقبوله رغم سلامته من الناحية الإبرائية، يبرز اليوم تساؤل جديد: هل تحولت “فراطة” الدولار إلى تجارة جديدة تفرض كلفة إضافية على المواطنين، وما الأسباب الاقتصادية التي تقف وراء هذه الظاهرة؟

أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد يرى في حديثه لـ”الوطن”، أن ما يحدث اليوم من رفض شركات الصرافة وبعض التجار لفئات 20 و50 دولاراً، أو فرض عمولات مرتفعة لقبولها، لا يمكن اعتباره مجرد أزمة مفتعلة أو سلوك تجاري عابر، بل يمثل عرضاً كلاسيكياً لمرض مزمن أصاب النظام النقدي السوري، ويؤكد أن هذه الظاهرة تجاوزت كونها مصدر إزعاج للمواطن، لتصبح مؤشراً خطيراً على تحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد نقدي مشوه، تتفكك فيه العملة الواحدة إلى عدة عملات تختلف قيمتها الفعلية داخل البلد الواحد.

لماذا ظهرت الأزمة؟
ويشير محمد إلى أن هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ، وإنما جاءت نتيجة تراكم عوامل هيكلية ونفسية متعددة، في مقدمتها ما يصفه بالتفكك الداخلي للدولار المتداول داخل السوق السورية، فالفئات الصغيرة، بحسب رأيه، خرجت عملياً من الدورة المصرفية العالمية نتيجة صعوبة إعادة تصديرها إلى الخارج، في ظل عدم قدرة المصرف المركزي والقطاع المصرفي الرسمي على التعامل مع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو البنوك المراسلة بسبب العقوبات.

ويضيف أن ورقة المئة دولار أصبحت الأكثر طلباً لأنها الأسهل في العد والتخزين والنقل وإعادة ضخها في الأسواق الإقليمية مثل بيروت وأربيل، بينما تتحول الفئات الصغيرة إلى أوراق عالقة داخل السوق المحلية، ما يؤدي إلى تراجع قيمتها النسبية مقارنة بالفئات الأكبر.

ويلفت إلى أن الأزمة ترتبط أيضاً بانهيار الثقة، إذ أصبح المتعاملون يبحثون عن الكمال حتى في الدولار باعتباره الملاذ الأخير للقيمة/ فأي ورقة قديمة أو مختومة أو ممزقة جزئياً أو حتى من الفئات الصغيرة، باتت يُنظر إليها على أنها تمثل مخاطرة مستقبلية، وهو ما يدفع التجار إلى رفضها لأنهم يدركون أن غيرهم سيرفضها أيضاً، لتتحول هذه المخاوف إلى نبوءة تحقق نفسها بنفسها.

ويبين أن الجانب اللوجستي يلعب دوراً إضافياً في تكريس الظاهرة، فالتعامل مع الفئات الصغيرة يرفع تكاليف العد والتدقيق والتخزين والنقل مقارنة بفئة المئة دولار، ولذلك فإن العمولات التي تفرضها بعض شركات الصرافة، والتي قد تصل إلى عشرات الدولارات، لا تمثل أجرة خدمة بقدر ما تعكس، وفق وصفه، خصماً على جودة الدولار نفسه نتيجة صعوبة تداوله.

ويحذر كذلك من نشوء سوق موازية داخل سوق الدولار، حيث ترفض بعض الشركات هذه الفئات أو تشتريها بخصومات، ثم تعيد بيعها لمحتاجين إليها أو تجمعها لإخراجها إلى أسواق أخرى تحقق فيها هامش ربح، ما يحول العملة نفسها إلى سلعة للمضاربة والسمسرة على حساب المواطنين، معتبراً أن هذا يشكل باباً جديداً للتجارة يقوم على استغلال ثغرات النظام النقدي.

آثار تتجاوز سوق الصرافة
ويؤكد محمد أن تداعيات هذه الظاهرة لا تقف عند حدود سوق الصرافة، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع، فالأسر التي تعتمد على الحوالات الخارجية، والتي تصل في كثير من الأحيان بفئات 20 و50 دولاراً، ستكون أول المتضررين نتيجة اقتطاع جزء من قيمتها على شكل عمولات، بما ينعكس مباشرة على قدرتها الشرائية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ويرى أن الظاهرة تسهم أيضاً في تعميق الدولرة غير الرسمية، إذ تتحول المنازل إلى أماكن لتخزين الفئات الصغيرة التي يخشى أصحابها تداولها، بدلاً من عودتها إلى القنوات المصرفية، الأمر الذي يزيد حجم النقد الأجنبي المتداول خارج القطاع المصرفي.

كما يحذر من أن التجار الذين يتحملون خسائر عند قبول هذه الفئات سيعمدون إلى تحميلها للمستهلك النهائي عبر رفع أسعار السلع، بما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة، فضلاً عن أن استمرار هذه الممارسات يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات النقدية ويظهر المصرف المركزي بمظهر العاجز عن ضبط السوق، الأمر الذي يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والابتزاز.

كيف يمكن معالجة الظاهرة؟
ويؤكد خبير التمويل والمصارف أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تتم بمعزل عن استعادة الثقة بالمنظومة النقدية، لكنه يرى أن هناك إجراءات عاجلة يمكن أن تحد من تفاقمها.
وفي مقدمة هذه الإجراءات، يدعو إلى تدخل حازم من مصرف سوريا المركزي عبر إصدار تعميم ملزم لجميع شركات الصرافة والتجار بقبول جميع فئات الدولار من الإصدار الحديث من دون أي عمولات، واعتبار أي خصم على قيمتها مخالفة تستوجب العقوبات التي قد تصل إلى إغلاق المنشأة وسحب ترخيصها، مع تخصيص خط ساخن لتلقي شكاوى المواطنين.

كما يقترح إنشاء نافذة مصرفية خاصة لدى المصرف المركزي والمصارف التجارية لاستقبال هذه الفئات وإيداعها في الحسابات بالعملة الأجنبية، مع السماح بالسحب لاحقاً بفئات مئة دولار، بما يسحب الفئات الصغيرة من السوق ويعيد تدويرها، وينهي المبررات التي تتذرع بها بعض شركات الصرافة.

ويرى أيضاً أن للإعلام الاقتصادي دوراً أساسياً في كشف آلية هذه الممارسات وتوعية المواطنين بأن قيمة ورقة الخمسين دولاراً تبقى خمسين دولاراً مهما كانت فئتها، وأن ما يجري لا يعدو كونه عملية سمسرة منظمة تستفيد من غياب التنظيم والرقابة.

ويخلص محمد إلى أن ما يجري اليوم ليس حالة مؤقتة أو سلوكاً شاذاً، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد نقدي يفتقر إلى الضوابط، في ظل تراجع دور الدولة في تنظيم السوق، ويعتبر أن وصول المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها الجدل حول فئات الدولار وشكلها وجودتها، بدلاً من قيمتها الاسمية، يعكس حالة من الانهيار النقدي المعنوي تسبق الانهيار المادي.

ويؤكد أن تحميل التجار وشركات الصرافة وحدهم مسؤولية ما يحدث لا يكفي، لأن الجشع، وإن كان موجوداً، يبقى نتيجة لفراغ تنظيمي ورقابي كبير، ويحذر من أنه من دون إجراءات جريئة من مصرف سوريا المركزي لإعادة ضبط سوق النقد، فإن مثل هذه الممارسات ستتوسع، لتفتح أبواباً جديدة للثراء السريع على حساب القوة الشرائية ومعيشة السوريين.