لم تعد مشكلة المشاريع الصغيرة في كثير من الاقتصادات النامية مرتبطة فقط بغياب رأس المال، بل باتت تتصل أيضاً بصعوبة الوصول إلى التمويل المناسب، وضعف الخبرات الإدارية والتسويقية، وغياب القنوات التي تربط المنتج بالسوق.
ومن هنا برزت الحاجة إلى نماذج تمويلية جديدة لا تكتفي بمنح الأموال، وإنما ترافق المشروع منذ بدايته وحتى مراحل تطوره.
ضمن هذا السياق، استضافت غرفة تجارة دمشق حوارية بعنوان “التمويل المستدام والتنمية الاقتصادية” قدّمها الرئيس التنفيذي لبنك الإبداع للتمويل الأصغر – سوريا، أديب شرف، لمناقشة مشروع إنشاء “منصة الإبداع للتمويل الموجّه والتنمية المجتمعية”، التي تهدف إلى بناء منظومة متكاملة تربط الأسر السورية وأصحاب المشاريع الصغيرة بالتجّار، وتوفّر حلولاً تمويلية تساعد على تحسين مستوى المعيشة وتحفيز الاقتصاد المحلي.

التمويل الموجّه.. من القرض إلى منظومة اقتصادية
وأوضح شرف أن الفكرة الأساسية للمشروع تقوم على تطوير حلول تمويلية تنموية تحت مفهوم “التمويل الموجّه”، بحيث يتم ربط الأسر المنتجة وأصحاب المشاريع الصغيرة باحتياجاتهم الفعلية من جهة، وبالتجّار ومزودي الخدمات من جهة أخرى، ضمن منظومة تحقّق فائدة لجميع الأطراف.
وأشار إلى أن الهدف ليس تقديم تمويل استهلاكي، وإنما تمويل يرتبط بتحسين الدخل ودعم النشاط الإنتاجي، بما يسهم في رفع مستوى المعيشة وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.
وبيّن أن بنك الإبداع يركّز منذ تأسيسه على التمويل الأصغر التنموي، الذي يعتمد على دعم سلاسل القيمة وتمويل المشاريع الصغيرة، وليس مجرد منح مبالغ مالية، موضحاً أن علاقة المصرف بالمستفيد تستمر من خلال المتابعة والتدريب والاستشارات والخدمات غير المالية.
تجربة مصرفية قائمة على الأثر الاجتماعي
وأشار شرف إلى أن بنك الإبداع تأسّس عام 2010 كمصرف خاص غير ربحي من حيث طبيعة المساهمين، موضحاً أن الهدف الأساسي منه يتمثّل في تحقيق أثر تنموي واجتماعي، وليس توزيع الأرباح.
وأوضح أن المصرف يقدّم خدمات تشمل التمويل، وفتح الحسابات، والادخار، والحسابات الرقمية، والتحويلات الداخلية، إضافةً إلى التدريب والاستشارات وخدمات بناء القدرات.
ولفت إلى أن المصرف استهدف شرائح متعددة تشمل أصحاب المشاريع الصغيرة، والشباب، والنساء، وصغار المزارعين، والعائدين إلى سوق العمل، والأسر المنتجة، باعتبارها فئات قادرة على تحويل التمويل إلى نشاط اقتصادي منتج.
واستعرض أبرز مؤشرات عمل المصرف، مشيراً إلى أنه قدّم خدماته لأكثر من 113 ألف أسرة، وساهم في تمويل نحو 95 ألف مشروع، فيما يبلغ عدد المقترضين النشطين حالياً نحو 26 ألف مقترض، وتشكّل النساء نحو 47 بالمئة من المستفيدين، بينما تجاوز إجمالي التمويلات المقدّمة ما يعادل 35 مليون دولار، مع محفظة قائمة تقرب من 9 ملايين دولار، وجميع العمليات تنفّذ فعلياً بالليرة السورية.
منصة تربط الأسر بالتجار
وكشف شرف عن تصوّر إنشاء منصة متخصصة للتمويل الموجّه للتنمية الاقتصادية، تستهدف في مرحلتها الأولى استقطاب نحو 1000 تاجر وشريك، مع توفير تمويلات تصل إلى ما يعادل 40 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، والاستفادة منها من قبل نحو 40 ألف مستفيد.
وأوضح أن آلية العمل تقوم على تسجيل التجّار ضمن المنصة، بحيث يستطيع المستفيد الحصول على التمويل عبر المصرف أو من خلال قنوات مرتبطة بالتاجر، على أن يتم استخدام التمويل في شراء السلع أو مستلزمات المشروع بدلاً من تسليمه نقداً.
وأكد أن هذا النموذج يضمن توجيه التمويل إلى الهدف المحدّد، ويقلّل المخاطر، كما يمنح التجّار فرصة لزيادة مبيعاتهم من دون تحمّل مخاطر التمويل المباشر للعملاء.
التمويل العيني وتقليل المخاطر
وأشار إلى أن المنصة تستهدف قطاعات متعددة، تشمل المواد الغذائية، والطاقة البديلة، والأجهزة المنزلية، والحرف اليدوية، والخياطة، والورش الصغيرة، ومواد البناء، إضافةً إلى قطاعات الصحة والتعليم، مؤكداً أن التركيز ليس على تمويل شراء العقارات، وإنما على الأنشطة المرتبطة بتحسين الدخل والإنتاج.
وأوضح أن التمويل العيني يسهم في معالجة أحد التحدّيات التي تواجه عمليات التمويل، إذ إن حصول المستفيد على سيولة نقدية مباشرة قد يؤدي أحياناً إلى تغيير أولوياته بسبب ظروف طارئة، بينما يضمن التمويل المرتبط بالاحتياج الفعلي وصول الأموال إلى النشاط المستهدف.
المشروع قبل الضمانة
وفيما يتعلق بتمويل روّاد الأعمال، أكد شرف أن المصرف لا يعتمد على الضمانات التقليدية وحدها، بل يركّز على دراسة المشروع نفسه، ومدى قابليته للنجاح، وخبرة صاحبه ومعرفته بالمجال الذي يعمل فيه.
وأشار إلى أن الفكرة الأساسية تتمثّل في تقييم قدرة الشخص على إدارة مشروعه، سواء كان ورشة صغيرة أم مشروع خدمات أو نشاطاً إنتاجياً، موضحاً أن المعرفة والخبرة قد تكون عاملاً أكثر أهمية من الضمانات العقارية.
ولفت إلى أن المصرف يقدم أيضاً خدمات غير مالية تشمل التدريب والتأهيل والاستشارات، لأن كثيراً من رواد الأعمال يمتلكون الفكرة والرغبة، لكنهم يحتاجون إلى مهارات الإدارة والتسويق والتخطيط المالي.
التمويل وحده لا يكفي
وشهدت الندوة نقاشاً حول التحديات التي تواجه أصحاب المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال، حيث أكد المشاركون أن نجاح المشاريع لا يرتبط بتوفير التمويل فقط، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التمويل والتدريب والتسويق والوصول إلى الأسواق.
وأكد رئيس غرفة تجارة دمشق عامر خربوطلي أهمية إيجاد برامج تمويل ميسرة تناسب احتياجات رواد الأعمال وأصحاب المحال الصغيرة، مشيراً في. حديثه إلى أن الغرفة تستقبل بشكل مستمر أصحاب مشاريع يبدؤون خطواتهم الأولى من خلال البازارات أو المحال الصغيرة، ويحتاجون إلى تمويلات محدودة تساعدهم على تطوير أعمالهم.
وأوضح خربوطلي أن العديد من رواد الأعمال يمتلكون أفكاراً جيدة، لكن تنقصهم الخبرة المالية والتسويقية والإدارية، مؤكداً أن دور المؤسسات الداعمة يجب ألا يقتصر على توفير المال، بل يشمل بناء قدرات أصحاب المشاريع وتحويل الأفكار إلى أعمال قابلة للاستمرار.
كما تضمنت الندوة عدة مداخلات ركزت على أهمية التعاون بين غرفة التجارة والمصارف والتجار، لتوفير بيئة تساعد المشاريع الصغيرة على النمو، وربطها بالسوق، وتوفير فرص أكبر للوصول إلى التمويل.
نحو شراكة بين التمويل والتجارة
تعكس فكرة منصة التمويل الموجه محاولة لبناء نموذج جديد يقوم على الربط بين التمويل والنشاط الاقتصادي الحقيقي، بحيث يصبح التمويل أداة لتحريك الإنتاج وليس مجرد وسيلة لتوفير السيولة.
وفي ظل التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة، فإن نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرته على الجمع بين التمويل، والمتابعة، والتدريب، والشراكات التجارية، بما يساعد على خلق فرص عمل، ودعم الأسر المنتجة، وتعزيز دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة كمحرك أساسي للنمو الاقتصادي.








