المزيد

‫آخر الأخبار:‬

اقتصاد “البسكوتة”.. حين تصنع أزمة “الفراطة” عملةً جديدةً!

‫شارك على:‬
20

تنتهي غداً مهلة سحب العملة السورية القديمة عبر فروع المصارف والبريد، لتبدأ بعدها مرحلة السحب الحصري عبر مصرف سورية المركزي في دمشق، وفي الوقت الذي توشك فيه عملية الاستبدال على بلوغ محطتها الأخيرة، لا تزال الأسواق تواجه تحدياً يومياً يتمثل في نقص الفئات النقدية الصغيرة، وهي الأزمة التي دفعت المواطنين إلى إطلاق مصطلحات ساخرة مثل “اقتصاد البسكوتة”، بعدما أصبحت قطعة بسكويت أو علكة بديلاً عن “الفراطة” في كثير من عمليات البيع والشراء، فبينما نجحت عملية استبدال العملة إلى حد كبير، يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل جاءت الفئات النقدية الجديدة متوافقة مع احتياجات السوق اليومية؟

أستاذ الإدارة العامة في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان، وصف في حديثه لـ”الوطن” قرار مصرف سورية المركزي بتمديد فترة سحب العملة القديمة عبر المصارف لمدة أسبوع بأنه شكل خطوة إيجابية، لأنه منح فرصة إضافية للمواطنين الذين لم يتمكنوا من استبدال أموالهم ضمن المهلة السابقة، كما أسهم في تخفيف الازدحام والضغط على المصارف، معتبراً أن المرونة في معالجة تحديات التنفيذ تُحسب لصانع القرار.

غياب الفئات الصغيرة

في المقابل، أوضح حمدان أن إحدى أبرز المشكلات التي ما تزال تواجه الأسواق تتمثل في نقص الفئات النقدية الصغيرة، ولا سيما مع عدم طرح فئة خمس ليرات، وهو ما أدى إلى انتشار ما بات يعرف شعبياً بـ”اقتصاد البسكوتة”، حيث يُستعاض عن الباقي النقدي بقطعة بسكويت أو علكة أو أي سلعة زهيدة.

وأضاف أن هذه الظاهرة، رغم بساطتها الظاهرية، تكشف عن قضية اقتصادية وإدارية أكثر أهمية، تتمثل في مدى توافق الفئات النقدية المطروحة مع احتياجات التعاملات اليومية، فالعملة ليست مجرد أوراق نقدية، وإنما أداة لتسهيل عمليات البيع والشراء، وعندما لا تلبي احتياجات السوق، يلجأ المتعاملون تلقائياً إلى بدائل قد تكون غير عملية أو غير عادلة.

الفئات الجديدة واحتياجات السوق

وأشار حمدان إلى أنه قد تكون لدى مصرف سورية المركزي مبرراته في عدم إصدار فئة خمس ليرات، سواء بسبب انخفاض قيمتها الشرائية أم ارتفاع تكلفة إنتاجها، وهو طرح اقتصادي يمكن تفهمه، إلا أن السؤال الأهم، بحسب رأيه، يبقى ما إذا كانت الفئات النقدية الجديدة جاءت منسجمة مع واقع الأسعار والتعاملات اليومية في الأسواق.

وأكد أن إصدار أي عملة جديدة لا يبدأ بالطباعة، وإنما يسبقه إعداد دراسة دقيقة للسوق تشمل مستويات الأسعار، وحجم التعاملات النقدية، واحتياجات التجار والمستهلكين، ثم تصميم هيكل الفئات النقدية بما يضمن سهولة التداول.

ولفت إلى أن هذا هو النهج الذي تتبعه معظم البنوك المركزية في العالم عند إعادة هيكلة عملاتها أو سحب وإصدار فئات جديدة، إذ تسبق القرار دراسات ميدانية، وتقييم لتكلفة الإصدار، وتحليل لاحتياجات السوق، ووضع بدائل مناسبة قبل بدء التنفيذ.

واستشهد حمدان بتجارب دولية في هذا المجال، موضحاً أن كندا أوقفت تداول أصغر فئاتها النقدية بعد دراسات اقتصادية، وسبقت ذلك بإجراءات واضحة لتنظيم عمليات التقريب النقدي، في حين نفذت كل من أستراليا ونيوزيلندا خطوات مماثلة بصورة تدريجية، بما ضمن استمرار التعاملات اليومية من دون إرباك الأسواق.

البدائل يجب أن تكون جاهزة

وأوضح حمدان أنه إذا أثبتت الدراسات أن عدم إصدار فئة نقدية معينة سيؤدي إلى صعوبات في التداول، فمن الضروري أن تكون البدائل جاهزة منذ اليوم الأول، سواء عبر التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني للمبالغ الصغيرة، أم بتوفير فئات نقدية تلبي احتياجات السوق إذا دعت الحاجة إليها، أو اعتماد آليات تضمن حصول المواطن على كامل حقه النقدي دون اللجوء إلى استبدال الباقي بسلع.

نجاح الإصلاح يقاس بكفاءة التداول

وختم حمدان بالتأكيد أن نجاح أي عملية لإصدار عملة جديدة لا يقاس بسرعة استبدال الأوراق النقدية القديمة فحسب، وإنما بقدرة الفئات النقدية الجديدة على خدمة التعاملات اليومية بكفاءة، وأضاف أن التخطيط السليم يسبق التنفيذ، وأن السياسة النقدية الناجحة هي التي تتوقع احتياجات السوق قبل أن يبتكر السوق حلولاً بديلة لها.